إننا نعود فنسجل اعترافا أخيرا من أصحاب هذه النظرية: «إن إقامة برهان شاف على الطابع الاجتماعي للدين لا تزال أمرا غير ممكن.»
29
أما بعد، فإننا لا ننكر كل أثر للجماعات في شأن الأديان.
إن الدين «كاللغة، وأسلوب التفكير، وأدوات التعامل، وغير ذلك من مقومات المجتمع» هو أحد أعصاب الحياة الجمعية وشرايينها، بل هو أقوى عناصرها، ومن ذا الذي ينكر أن الجماعة هي حارسة تلك المقومات، وأنها هي منهلها المورود للأجيال الحاضرة، وناقلتها إلى الأجيال المقبلة؟
غير أن المسألة في صيانة الأديان القائمة وتخليدها، بل في نشأة الديانات الجديدة وتكوينها.
ثم لا ننكر ما للجماعات من أثر خطير في التمهيد لهذه النشأة والتمكين لها؛ فالأمم حين تقف في مفترق الطرق بين القديم والجديد تستطيع في بعض لحظاتها التاريخية أن تغير مجرى تاريخها بقبولها للدين الجديد أو برفضها إياه، والداعي الذي لا يحسب إمكانيات أمته ومؤهلاتها إنما هو كواضع البذر في أرض سبخة لا يلبث نباتها أن يجتث من فوقها فلا يبقى له قرار، أو كالذي يعطي المريض طعاما لا تطيقه أمعاؤه فلا يلبث أن يلفظه.
إلا أنه لن يسوغ لنا - بهذا الاعتبار - أن نقول: إن العقل الجمعي هو الذي يخلق الأديان ويبرزها إلى الوجود، إلا لو ساغ لنا أن نقول: إن المعدة هي التي تخلق الطعام، وإن البصر هو الذي يحدث الضياء، وإن المريض هو الذي يبذل الدواء ... تلك كلها لا شك شروط ضرورية، ولكنها - كما يقول أهل المنطق - ليست شروطا كاملة، أو ليست أسبابا تامة؛ إذ لا بد من تعاون متبادل بين الطبيب والمريض، بين الباذل والآخذ، بين الفاعل والقابل، وإذا صح أن يقال: إن الأمم تخلق زعماءها، فمن الحق أيضا - وبالطريق الأحرى - أن الزعماء تخلق أممها. والأمة تلد زعيمها ولادة طبيعية، وتهيئ له وسائل تلك الزعامة؛ والزعيم يلدها بعد ذلك ولادة أخرى: روحية، أو سياسية، أو عسكرية، أو فنية، أو غير ذلك.
الأمة تمثل خصوبة التربة وسلامة الأداة، والزعيم يضع البذر ويسقيه، ويتعهده وينميه، والزعيم يحرك الأداة ويوجهها، ويرسم طريقها، ويقف بها عند أهدافها، بل كثيرا ما يضيء لها هو تلك الأهداف ويحددها؛ وذلك حيث تكون حاجات الأمة غامضة مشتبكة الطرق، غير واضحة المعالم في العقل الجمعي، فتبقى متلهفة إلى رجل الساعة الموهوب الذي يتركز فيه وعيها، وتتحدد في نفسه حاجاتها، ويكون له من الحدس أو الإلهام أو الوحي ما ينشر به وسائل تحقيقها، ويملك من العزم والحزم ما يحكم به قيادتها ويبلغها إلى أهدافها، فإذا ظفرت به وألقت إليه بالمقاليد فقد أصابت رشدها، وفتحت لنفسها صفحة جديدة من القوة والمجد، أما إذا تشعبت عليها الطرق، واختلف الزعماء، ولم يستبن لها وجه الاختيار، أو أنها أساءت الاختيار فأهملت داعيها الرشيد أو أنكرته وقضت عليه بالإخفاق أو الموت - لا لأن دعوته تتنافر وطبيعتها، بل لأنها جهلت حقيقة نفسها، وطاشت أحلامها - فإنها تكون حينئذ قد سلكت طريق شقائها، وآثرت الانتحار على الحياة من حيث لا تشعر.
وهكذا يكون من المكابرة وإنكار البداهة جحد أثر الأفراد في أديان الجماعة ونظمها؛ كما يكون من المكابرة وإنكار البداهة نفي أثر الجماعات فيها.
غير أن أخشى ما نخشاه من الغلو في إبراز هذا الجانب الجمعي من تلك الحقيقة المزدوجة، أن يبعث في نفوس الأمة نزعة جبرية مثبطة، تحمل أفرادها على القعود والتواكل، انتظارا لما في الوعي الجمعي من الطاقات الكامنة والأسباب الغامضة، بدل ذلك النشيد الحماسي الذي يغري الأفذاذ بالنبوغ، ويملؤهم بالأمل في دفع الجماعة إلى الأمام. (6) المذهب التعليمي أو مذهب الوحي
تشترك المذاهب المتقدمة كلها في أن العقيدة الإلهية وصل إليها الإنسان بنفسه، عن طريق عوامل إنسانية - سواء أكانت تلك العوامل من نوع الملاحظات والتأملات الفردية، أم من نوع جنس التأثيرات والضرورات الاجتماعية اللاشعورية.