تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

11

وإنما هي خاضعة لخطة مرسومة من قبل، رسمتها يد مدبرة قاصدة لما تفعل، مقدرة لكل ما يجري في مملكتها. (3-3) نظرية ديكارت

لا مناص من الاعتراف بأننا سنجاوز حدود موضوعنا قليلا حين نضم إلى هذه السلسلة من التفاسير النفسية طريقة من طرق الفيلسوف الفرنسي «ديكارت»

Descarts

في إثبات وجود الله، مع أنه لم يقدمها تفسيرا لهذه العقيدة في نشأتها ولا في نظر الجمهور، بل في نظره هو، غير أنه لما صرح بأن أساسها نفسي فطري، لم نر بأسا من نظمها في هذا السلك.

وجد هذا الفيلسوف في تأملاته

Meditations

أن عقيدة وجود الله تعتمد على تجربة نفسية، أقرب من هذه التجارب كلها، وأقل تعقيدا، حتى إن الذي يغمض عينيه، ويسد أذنيه، ويقطع علاقته بالكون وبالناس، ثم ينطوي على نفسه، ويتحسس أفكاره وتصوراته؛ يجد مفتاح هذه العقيدة حاضرا فيها بين طيات نفسه، كلما شعر بالفرق بين الشك واليقين، أو بين الجهل والعلم، وبالجملة: كلما قرأ في لوحة نقصه عنوان «الكمال» الذي ليس له.

ليست فكرة «الكمال» هذه في نظر «ديكارت» فكرة مستنبطة من فكرة أخرى، وإنما هي حقيقة أولية فطرية، بل هي أسبق في العقل من فكرة النقص، فإن من لا يعرف الشيء لا يتفقده، ولا يحس بحرمانه حين يفقده؛ إذ كيف أعرف أنني ناقص لو لم تكن عندي فكرة كائن أكمل مني أجعله مقياسا أعرف به مواضع نقصي؟ فالرغبة في الكمال وحدها دليل على أسبقية وجود هدفها في التصور العقلي، ثم ليست هذه الفكرة معنى سلبيا - كالسكون: عدم الحركة، وكالظلام: عدم النور - بل هي جماع الحقائق الإيجابية، ونظام ضروب الكمالات كلها.

من أين تجيء هذه الفكرة إذا؟

لا جائز أن يكون من هاوية العدم مطلعها، فإن العدم لا يخلق الوجود، كما أن الصفر لا يلد عددا إيجابيا.

ولا جائز أن يكون من قرارة النفس منبعها، فهذه النفس هي مصدر النقص الذي أحاول التخلص منه.

ولا يقال: إن الكمال الذي لم أحرزه بالفعل هو حاصل عندي بالقوة، وأنا دائب في سبيل اكتسابه، بالترقي في مراتبه تدريجيا، وهذه النزعة إليه هي التي أنشأت فكرته في نفسي، فذلك فرض باطل من وجهين:

أولهما:

أن هذه الفكرة لا تصور في نفسي درجات الكمال التي سأنالها أو التي يمكنني نيلها فحسب، بل إن كل درجة من الكمال أتصورها في نفسي أو في غيري، أتصور دائما فوقها درجة أعلى منها.

وثانيهما:

أن فكرة الكمال الأعلى التي أجدها في نفسي تحتوي كل درجات الكمال الوجودي الفعلي، الذي لا شيء منه بالقوة الإمكانية القاصرة؛ وإلا لم يكن هو المثل الأعلى، ولما أمكن وجود شيء من الكمالات الجزئية بالفعل؛ لأن ما هو بالقوة والإمكان فحسب لا يمكن أن يحدث ما هو بالفعل في حقيقته الإيجابية الظاهرة الباهرة؛ فإن فاقد الشيء لا يعطيه غيره.

وأخيرا، ليست هذه الفكرة اختراعا وفرضا افترضه خيالي، بل هي ضرورة تفرض نفسها على عقلي وعلى كل العقول.

فلم يبق إلا أن تكون صورة منعكسة على مرآة النفس من حقيقة إيجابية، وذات خارجية، هي مادة الكمال المطلق ومصدره، وهي المثل الأعلى، وما وضع هذه الصورة على لوحة نفسي إلا كوضع «سمة الصانع» على صنعته، أو «توقيع الكاتب» في رأس رسالته.

هذا التفسير لم يكن «ديكارت» أسبق الناس إليه، ولكنه أجاد تفصيله، وأحسن تثميره، في التأمل الثالث من تأملاته

Meditation troisieme .

وقد أكثر الناس من الاعتراض عليه، حتى في عصر ديكارت نفسه.

وظن الفيلسوف الألماني «كانت» أنه استطاع هدم هذه الحجة، بقوله: إنه وإن تكن خصائص الماهيات العقلية يمكن استنباطها كلها من طبيعة تلك الماهيات - كما تستنبط خصائص الأشكال الهندسية من مفهوماتها - إلا أن صفة «الوجود» على الخصوص لا يمكن أخذها من تلك المفاهيم العقلية، فحقيقة المثلث وإن ثبتت لها الخواص الهندسية المعروفة، بالضرورة العقلية، إلا أنه لا يلزم من ذلك وجود مثلث في الخارج، وكل ما في الأمر أنه إن وجد مثلث كان على هذه الأوضاع، وكانت له هذه الخواص، وهكذا سائر المفاهيم العقلية، ليس وجودها في الذهن دليلا كافيا على وجودها في الخارج، بل إن منها ما هو مخترع اختراعا بحتا، كما نتصور قصرا من ماء، وإنسانا من هواء.

الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان · الصفحة ٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديانص ٥٥