تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فاعلم أن كلمات الباحثين في نفسيات المتدينين وعقلياتهم قد تطابقت على أنه ليس هناك دين - أيا كانت منزلته من الضلال والخرافة - وقف عند ظاهر الحس، واتخذ المادة المشاهدة معبودة لذاتها، وأنه ليس أحد من عباد الأصنام والأوثان كان هدف عبادته في الحقيقة هياكلها الملموسة، ولا رأى في مادتها من العظمة الذاتية ما يستوجب لها منه هذا التبجيل والتكريم.

وكل أمرهم هو أنهم كانوا يزعمون هذه الأشياء مهبطا لقوة غيبية، أو رمزا لسر غامض، يستوجب منهم هذا التقديس البليغ، فهي في نظرهم أشبه شيء بالتمائم والتعويذات التي يتفاءل أو يتبرك بها، أو يستدفع بها شيء من الحسد أو السحر، لا على أن لها خاصية ثابتة كامنة فيها كمون النار في الرماد، أو أن لها قوة طبيعية كقوة المغناطيس، بل على أن وراءها أو حولها روحا

2

عاقلا، مدبرا، مستقل الإرادة يستطيع أن يغير بمشيئته سير الأمور ومجرى العادات، فيعطي ويمنع، ويضر وينفع، من حيث لا ينتظر الناس ذلك في العادة، وأن تلك المواد المشاهدة ما هي في اعتقادهم إلا مظهر ومطلع يطل منه هذا الروح الخفي، ويبارك من يتمسح بتلك الهياكل التي اتخذها له مظهرا ومزارا.

يلزمنا إذن أن نضم عنصرا رباعيا إلى التعريف: فنقول إن القوة التي يقدسها المتدين ليست فكرة مجردة، وصورة عقلية خالصة، بل هي حقيقة خارجية، ونقول: إن هذه الحقيقة ليست مادة يقع عليها الحس، بل هي سر غيبي لا تدركه الأبصار؛ ونقول: إن هذه القوة الغيبية قوة عاقلة تتصرف بالإرادة، لا بالضرورة كالمغناطيس والكهرباء، ونقول أخيرا: إن لهذه القوة عناية مستمرة بشئون العالم الذي تدبره، وإن لها تجاوبا نفسيا مع نفوسه.

وهكذا نقرر مع العلامة «تايلور» أن الدين يتضمن دائما «الإيمان بكائنات روحية»، لكن على شريطة أن نأخذ كلمة الروح هنا بأوسع معانيها فلا نحدد طبيعتها، ولا مدى سلطانها، ولا طريقة تصرفها، بل ندعها تتسع للتصورات المختلفة في ماهية تلك القوة؛ ونكتفي بأن نقول على الجملة: إنها قوة خفية، شاعرة، مدبرة، وإن أفعالها تصدر عنها بمحض إرادتها، وإنها تستمع لمن يدعوها ولها مطلق الحرية في قبول مطالبه أو رفضها. (2-5) تمييز النظرة الدينية عن النظرتين النفسية والطبيعية

هذا العنصر الرباعي: عنصر الذات، الغيبية، الروحية، المتصلة معنويا بعابديها هو الحد الموضوعي الرئيس الذي يفصل بين وجهتي النظر الدينية واللادينية.

فبينما النظرة المنطقية أو النفسية تنحصر في حظيرة العقل أو النفس، باحثة عما فيهما من المعاني والأحوال، ولا يعنيها دراسة ما خلف هذه الحدود، والنظرة الطبيعية تبرز إلى الوجود الخارجي، ولكنها لا تعالج إلا ما يقع عليه الحس والمشاهدة بالفعل، أو ما هو من نوع

3

هذه المحسات المشاهدات، ولا تنفك عن هذه القيود، تنفذ النظرة الدينية فترمي من وراء ذلك كله إلى حقيقة أخرى لا تلمس في داخل النفس ولا في خارجها المادي، وإنما هي ذات غيبية وراء الطبيعة، بل فوق الطبيعة ... فشأن المتدين أنه يطلب وراء كل حس معنى، ويلتمس تحت كل ظاهر باطنا، ويضع في مبدأ كل فعل فاعلا، معتقدا أنه لا يقع في الكون شيء، من دقيق الحوادث وجليلها إلا وللإله - أو لبعض الآلهة - فيه قضاء وتدبير.

نعم، إن الفلسفة الروحية تشارك النظرة الدينية في هذا الإيمان بما وراء الطبيعة من قوة أو قوى فاعلة عاقلة، ولكنها تفارقها بأنها منقطعة الصلة الأدبية بهذه القوة: فليس بين الفيلسوف وبينها ارتباط بحقوق أو واجبات، وليس بينهما مناجاة تتبادل فيها المطالب والرغبات، أما المتدين فإنه يؤمن بهذه الصلة إلى حد أنه يجعلها جزءا حيويا من كيانه النفسي؛ ولذلك نراه كلما حزبته حاجاته، وتعسرت عليه رغباته تطلع إلى روح أشد قوة، يلتمس منها تلك الحاجات والرغبات. (2-6) الفرق بين التدين وبين السحر بأنواعه

الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان · الصفحة ١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديانص ١٤