تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كنا نصطاف في قرية من قرى الجبل يقال لها " مضايا "، تبعد عن دمشق خمسين كيلاً، وكنا قد استأجرنا داراً في الجبل، وكانت بنتي تلعب على السطح، ولم يكن للسطح حواجز، فسقطت عن علو سبعة أمتار على الصخر اليابس وانقطع صوتها، وهبطت السلم وأنا لا أبصر ما أمامي حتى وصلت إليها فحملتها، ولست أدري أأحمل جثة ميتة أم أحمل معها الرجاء بحياتها وشفائها؟ وأخذتها إلى مستوصف القرية، وكان فيه طبيب أعرفه، فطمأنني أنها لا تزال على قيد الحياة ولكنها تحتاج إلى عمليها عاجلة، فركبت أول سيارة ونزلت إلى دمشق، إلى مستشفى كلية الطب، وكان فيه جراح اسمه الدكتور اللبابيدي ﴿ذهب إلى رحمة الله﴾ فأجرى لها عمليات وفقه الله فيها وجعل على يديه شفاءها.

ومما ذكرهُ أيضاً أن بنتان تسقطان من عمارة عالية ثم تنجوان، والشيخ إبراهيم الراوي سنة 1936 في المسجد ﴿مسجد سيد سلطان علي﴾ في بغداد، الذي يبقى فيه أكثر نهاره ويلقي فيه جل دروسه، عثر بسجادة وُضعت فوق الأخرى، لا تعلو عنها إلا عرض أصبع واحدة فكان سقوطه في موته رحمه الله تعالى.

ومما رواه أيضاً ﴿رحمه الله تعالى﴾: " ورأيت ُ بعيني مرة في دمشق مشهداً لا ينساه من رآه لما كان عندنا خط الترام الذي يصعد إلى حي المهاجرين على سفح قاسيون. كان نازلاً مرة في العفيف إلى الجسر الأبيض (1)، وبينهما منحدر ٌ مائل، وقد افلت مقودهُ من يد السائق الذي يسوقه، فهبط مثل البلاء النازل، وكان أمامه بين الخطين امرأة مسنة ﴿كأني أراها الآن بملاءتها وحجابها﴾، لمّا أبصرته جمّد الخوف دمها وأيبس عضلاتها فلم تستطع أن تبارح مكانها، وأغمض الناس عيونهم وأغمضت عيني معهم لأننا لا نستطيع أن نصنع شيئاً، ومن يرد الترام وهو مندفع بثقله وانحدار خطيه؟ فلم نفتح عيوننا حتى سمعنا رجة قوية، وإذا الترام قبل أن يصل إلى هذه المرأة -فيسحقها سحقاً ويخلط عظمها بلحمها- قد خرج عن الخط، ومال ميلة إلى جدار من الطين وراءه غرفتان من دار قديمة، فشق على أهل الدار جدار من الطين وراءه غرفتان من دار قديمة، فشق على أهل الدار الجدار ودخل عليهم وهم في الدار.

لا تقولوا إنها مصادفات، فليس في الكون مصادفات، ولكنها أمور مقدرات في علم الله محسوبات، مسجلات في كتاب القدر، والله لا يظلم أحداً ولا يضيع حقاً على أحد، فلم يبق لنا إلا التسليم والعجب: المرأة بين خطي الترام ذهبت إلى بيتها ماشية على رجليها، والذين كانوا في بيتهم، قد أغلقوا عليهم أبوابهم، شق عليهم الترام الجدار، وولج الدار، انتهى.

يقول الطنطاوي فمن أدركه لطفُ الله فقد نجا كما، ورحم الله القائل:

(1) أسماء مواضع من دمشق كانت محطات يقف فيها الترام.

احفظ الله يحفظك · الصفحة ٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

احفظ الله يحفظكص ٤