وبهذا يتبين أن معاني المصطلحات ، قد تختلف لدى الأئمة نتيجة لاختلافهم في القواعد التي بنيت عليها هذه المصطلحات ، وعليه فإذا اعترض على حكم إمام من الأئمة بناءً على قواعد لا يقول هذا الإمام بها فإن هذا سيكون من باب المشاحة في الاصطلاح ، وهذه قضية ممنوعة كما هو معلوم ، إذا تبين هذا فإن اعتراض التحرير هنا من هذا القبيل ، فالتقريب يقول في حكيم الصنعاني : مقبول ، والتحرير يقول : بل مجهول ، ويعلل ذلك بتفرد ابنه المغيرة بالرواية عنه ومن الواضح جداً أن حكم التحرير عليه بالجهالة مبني على قاعدة الخطيب المشهورة عند المحدثين : ( بأن أقل ما يرفع الجهالة رواية اثنين مشهورين ) .
والاعتراض بهذا على حكم الحافظ ابن حجر اعتراض غير مقبول ؛ وذلك لأن قاعدة الحافظ في ارتفاع الجهالة عن الراوي غير قاعدة الخطيب ، فقد صحح الحافظ هنا اختيار أبي الحسن بن القطان وهو : (( إن الراوي إن زكاه أحد من أئمة الجرح والتعديل مع رواية واحد عنه قبل وإلا فلا )) ( بيان الوهم 4 / 20 و 5 / 521 ، وتدريب الراوي 1 / 317 ) .
وقد صرح الحافظ بهذا في مقدمة التقريب ، فقد قال في المرتبة التاسعة من مراتب الرواة : (( من لم يرو عنه غير واحد ولم يوثق ، وإليه الإشارة بلفظ مجهول )) ( تقريب التهذيب 1 / 5 ) .
إذا اتضح هذا : فإن حكيم الصنعاني قد زكاه ابن حبان ، وهو من أئمة الجرح والتعديل وروى عنه ابنه المغيرة وهو ثقة . ( تقريب التهذيب 2 / 268 ) .
فهو على قاعدة الحافظ خارج عن حد الجهالة ، فاعتراض التحرير عليه بأنه مجهول بناء على قاعدة الخطيب اعتراض في غير محله ، ولمزيد من الفائدة ينبغي ذكر ما يأتي :
قال النووي : ( ورواية المستور … يحتج بها بعض من ردَّ الأول وهو قول بعض الشافعيين ، قال الشيخ – يعني : ابن الصلاح - : يشبه أن يكون العمل على هذا في كثير من كتب الحديث في جماعة من الرواة ، تقادم العهد بهم وتعذرت خبرتهم باطناً ) .