أما ما قيل من وجود زحام ومشقة تبيح الرمي ليلاً: فقد أُجيب عنه في النقل الآتي، ولمزيد الفائدة أذكر للقارئ الكريم أن سماحة مفتي المملكة في وقته الشيخ (محمد بن إبراهيم آل الشيخ)، وسماحة والدنا الشيخ (عبد العزيز بن عبد الله بن باز)، وعدداً من المشايخ (رحم الله الجميع أحياءً وأمواتاً) قرروا في مواجهتهم للشيخ (عبد الله المحمود) في فتواه بجواز الرمي ليلاً: أن وقت رمي الجمرات أيام التشريق: ما بين الزوال إلى غروب الشمس(1)، وأن سماحة الشيخ (عبد الله بن محمد بن حميد) رئيس المجلس الأعلى للقضاء في حياته (رحمه الله) كتب ـ عندما استفتوه بجواز الرمي ليلاً ـ ما نصه: (لا يجوز رمي الجمرات ليلاً؛ للأمور الآتية:
أولاً: لم يُنقل عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أنه رمى ليلاً، أو أقره، وهو القائل (صلوات الله وسلامه عليه): (خذوا عني مناسككم)، وما عرف الرمي قربة إلا بفعله -صلى الله عليه وسلم-، ولا شيء أحسن من التمسك بهديه، والاقتداء بأفعاله، والأخذ بما عليه سلف هذه الأمة وأئمتها الذين هم القدوة، فقد جرى عمل الصحابة (رضوان الله عليهم) في حجهم أنهم لا يرمون إلا نهاراً، وكثير منهم يحج في كل عام، فما ثبت أن أحداً منهم رمى ليلاً.
ثانياً: ما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنه)، قال: رمى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم النحر ضحى، وأما بعد ذلك: فإذا زالت الشمس، ورميه -صلى الله عليه وسلم- جمرة العقبة يوم النحر ضحى وفي أيام التشريق بعد الزوال: دليل على الوجوب؛ لأنه فعله -صلى الله عليه وسلم- مشرعاً لأمته على وجه الامتثال والتفسير، فكان حكمه حكم الأمر.. وهو داخل في عموم قوله: (خذوا عني مناسككم)، قال شيخ الإسلام (ابن تيمية) (رحمه الله) في شرح العمدة: (والفعل إذا خرج مخرج الامتثال والتفسير كان حكمه حكم الأمر).