... ومع معرفة السبيل، لابد من معرفة المركوب بعد التزود، وفى الأمر عود على بدء، إذ إن ذكر الإخلاص والصدق فى البداية، لابد من ذكره أيضاً فى النهاية، فالإخلاص هو المبتدأ أو المنتهى، ولابد منه فى أول العمل ومنتهاه، إذ لابد للسفر من صدق الالتجاء إلى الله، وتحقيق معنى العبودية له، بالدعاء والاستكانة والتضرع، فهو وحده ما ابتدأت به هذه الهجرة وله وحده تنتهى. قال ابن القيم فى رسالته (تحفه الأحباب) :
... (وأما مركبه فيصدق اللجأ إلى الله والانقطاع إليه بكليته، وتحقيق الافتقار إليه بكل وجه، والضراعة إليه وصدق التوكيل والاستعانة به، والانطراح بين يديه انطراح المكلوم المكسور الفارغ الذى لا شىء عنده، فهو يتطلع إلى قيمة ووليه أن يجبره ويلم شعثه، ويمده من فضله ويسترده، فهذا الذى يرجى له أن يتولى الله هدايته، وأن يكشف له ما خفى عن غيره من طريق هذه الهجرة ومنازلها)(1)0
(28) كواشف الأنفاق
... فى أحد اقتباسات الإمام القرطبى ذكر قول الشاعر :
... ... ... تقول ما لاح يا مسافر
... ... ... ... ... ... ... يا ابنة عمى لاحنى الهواجر
ونقول :
... وهكذا مسافر الدعوة، يتلوح وجهه بحر الهواجر، وينصب من عناء الطريق، ويشقى من وعثاء السفر، وتلفه ظلمة أنفاق الفتن، وتحد من سيره العوائق، وتجره لثقلة الأرض العلائق، ولكنه مع كل هذا، ينطلق فى سيره الميمون، على هدى من الله وبصيره، يستضىء بنور السماء، ويستهدى بسنة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - فلم تعد توقفه الظلمات، ولا تعيق سيره العقبات، مستعيناً وفق هدى القرآن والسنة على مجموعة من الكواشف والأضواء 0
أس الفضائل
(1) المرجع السابق : 78 0