... وليعلم الداعية الذى يريد القيام بواجب الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، أن يدرك أن كلاً منهما مراتب، وليسا على درجة واحدة، والأجر على قدر النية أو المشقة، وقد يمكن له القيام بالجميع، ولكن قدرة الإنسان، وطبيعة التكليف، وما يرتبط به الإنسان من أمور عبادية، أو مشاغل معاشية، وكذلك طبيعة الناس، وظروف الحياة تؤدى كلها إلى ازدحام المعروفات، أو تجمع المنكرات، مما يقود بالضرورة إلى معرفة مراتبها، حتى يقدم أعرف المعروفين، أو ينكر أنكر المنكرين، ويقدم الأمر بالواجب قبل الأمر بالمستحب، وينهى عن الحرام قبل نهيه عن المكروره، وما كانت نتائجه جماعية فالأمر به أو النهى عنه أفضل مما كانت آثاره فردية، وهكذا رغم أن الأمر بالمعروف يؤدى كما يؤدى النهى عن المنكر من جهة النوع مطلقاً 0
... (وأما من جهة النوع فيؤمر بالمعروف مطلقاً، وينهى عن المنكر مطلقاً، وفى الفاعل والواحد والطائفة الواحدة يؤمر بمعروفها، وينهى عن منكرها، ويحمد محمودها، ويذم مذمومها، بحيث لا يتضمن الأمر بالمعروف فوات معروف أكبر منه، أوحصول منكر فوقه، ولا يتضمن النهى عن المنكر، حصول ما هو أنكر منه، أو فوات معروف أرجح منه000)(1)0
... ومبنى مراتب تغيير المنكر على الحديث المشهور: (( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)) (وذلك يكون تارة بالقلب، وتارة باللسان وتارة باليد، فأما القلب فيجب فى كل حال، إذ لا ضرر فى فعله، ومن لم يفعل فليس بمؤمن، كما قال النبى - صلى الله عليه وسلم - .. وقيل لابن مسعود: من ميت الأحياء، فقال : الذى لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً، وهذا هو المفتون الموصوف فى حديث حذيفة بن اليمان 00)(2)0
(1) الفتاوى : 28/130 0
(2) المرجع السابق: 28/127 0