... (ينبغى لك أيها المسترشد أن تسلك سبيل الأدب مع الأئمة الماضين، وأن لا تنظر إلى كلام بعضهم فى بعض، إلا إذا أتى ببرهان واضح، ثم إن قدرت على التأويل وحسن الظن فدونك، وإلا فاضرب صفحاً عما جرى بينهم00 فاشتغل بما يعنيك ودع ما لا يعنيك000)(1)0
... وهذا هو الأصل فى تصرف المسترشد مع علماء الأمة، وتصرف طالب العلم مع العلماء، وكذلك تصرف الداعية تجاه خلاف القادة، ونهج المستجد أمام خلاف القدماء، وسبيل الاتباع عند اختلاف الأمراء، إن الغاية الاشتغال بما يعنى، والاستغناء عما لا يعنى، ففى ذلك الأجر والمثوبة، وفى عكسه الفتنة والبلاء 0
زلة العالم
... ولذلك لزم أن يكون الحذر شديداً من زلة العالم، والتحوط كثيراً من خطأ القائد، وعلى التابع لهما أخذ الانتباه التام واليقظة الكبيرة من الاقتداء بخطا هذا وزلة ذاك، (وكان معاذ بن جبل – رضى الله عنه- يقول فى خطبته كثيراً : إياكم وزيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يتكلم على لسان الحكيم بكلمة الضلالة، وقد يقول المنافق الحق، فتلقوا الحق عمن جاء به، فإن على الحق نوراً، قالوا : وكيف زيغة الحكيم؟ قال : هى كلمة تروعكم وتنكرونها، وتقولون: ما هذه؟ فاحذروا زيغته، ولا تصدنكم عنه، فإنه يوشك أن يفئ وأن يراجع الحق000)0
... وكان أحد التابعين يقول عن الاقتداء بالحسن البصرى، وابن سيرين، وهو يوصى ابنه (إن أخذت بشر ما فى الحسن ، وبشر ما فى ابن سيرين اجتمع فيك الشر كله ) 0
... أما الإمام الغزالى فقد حذر من ذلك أيضاً، وقال : إن ذنوب العالم قد تكون صغيرة إلا أن ضررها قد يكون كبيراً، ثم أردف قائلاً :
... (فهذه ذنوب يتبع العالم عليها، فيموتمن العالم ويبقى شره مستطيراً فى العالم أياماً متطاولة، فطوبى لمن إذا مات ماتت ذنوبه معه)(2)0
(1) طبقات الشافعية لابن السبكى : 2/39 0
(2) الموافقات للشاطبى : 4/169 0