((إن الداعي لا بد أن يكون ذا قلب ينبض بالرحمة والشفقة على الناس ، وإرادة الخير لهم والنصح لهم ، ومن شفقته عليهم دعوتهم إلى الإسلام ، لأن في هذه الدعوة نجاتهم من النار وفوزهم برضوان الله تعالى ، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه وأعظم ما يحبه لنفسه الإيمان والهدى فهو ذلك إليهم أيضاً)) أصول الدعوة (ص:344،343) .
وهذا الشعور الغامر بالشفقة على الناس يبعث في النفس الحزن والأسى على حال المعرضين والعاصين ، ويتولد إثر ذلك قوة نفسية دافعة لاستنقاذهم من الخطر المحدق بهم ، والهلاك القادمين إليه ، وما أبلغ وأدق النص القرآني في بيان هذه الصفه عند الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم (فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا( الكهف[6] وقوله تعالى (لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين( الشعراء [3] . تأمل هذه الآيات فإنه ((من فرط شفقته صلى الله عليه وسلم داخله الحزن لامتناعهم عن الإيمان ، فهوّن الله سبحانه عليه الحال ، بما يشبه العتاب في الظاهر كأنه قال له : لم كل هذا ؟ ليس في امتناعهم- في عدِّنا- أثر، ولا في الدين من ذلك ضرر)) لطائف الإشارات(1/377) .
وقال ابن القيم في تفسيره تفسير ابن كثير (3/72): يقول تعالى :(فلعلك باخع ...( مسلياًَ لرسول صلى الله عليه وسلم في حزنه على المشركين لتركهم الإيمان وبعدهم عنه)) .
فهذه نفس الرسول صلى الله عليه وسلم ملئت رحمة وشفقة على هؤلاء حتى كاد يُهلك نفسه وهو يدعوهم ويحرص على هدايتهم ، ثم يخالط مشاعره الحزن عليهم والأسى لهم .