تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لتوضيح هذه المسألة وتفسيرها نحتاج إلى دراسة الواقع الذي كانوا يعيشونه بظروفه، وما هو العلم الذي كان عندهم يُمدح به المرء لكثرة الشيوخ، وحاجة الشيخ هل قلّت في هذا الزمان؟

فلو ابتعدنا عن هذه النقطة –مع أهميتها-؛ أليس المقصود هو حصول العلم؟

لماذا كانوا إذن يمدحون كثرة الشيوخ؟ لأنها دلالةٌ على كثرة حصول العلم.

لماذا كانوا يذمّون الكتب؟ لكثرة حصول الخطأ؛ فالعلم من الصُّحف مظنَّة الخطأ لأن الصحف تخطئ، فلم تكن منقوطةً وكانت فيها مشاكل.

كذلك كثرة الشيوخ تؤدي إلى كثرة الرواية مع تحقّق العلم الواحد، فكانت الرواية هي المهمة بحيث أن الرجل يريد أن يأخذ الحديث نفسه من أكثر من الشيخ، فهذا يكثِّر لهم الطرق لتحصيل العلم، وكانت هذه الطرق في ذلك الوقت تُعد علمًا، فعندما يقال عن الإمام أحمد: "أنه يحفظ ألفَ ألفِ حديث" –أي مليون حديث- هل معنى هذا أنه يحفظ بالحديث المتداول على ألسنة الناس ألف ألف متنٍ مستقل، كل متنٍ يختلف على الآخر؛ أم المقصود به الحديث بمعنى السند؟

فكان هذا من العلوم التي تُعد عندهم، لكن في أزماننا هذه لا تُعد علومًا، فليس من باب العلم أن يأتي الرجل ويحفظ مئة سند لمتن واحد.

فنحن نذكر هنا أسباب التقريرات التي قالوها مثل: "من لا شيخ له شيخه الشيطان"، و"من أخذ العلم عن الصحف"، و"من لا شيخ له فخطؤه أكثر من صوابه"، فكل هذه المقولات لها أِسباب عندهم.

هل معنى هذا أن في هذه الأيام هذا الكلام له بنفس الحِديَّة التي كانت في زمانهم؟ نعم، ما زلنا نقول أن التعلم عن طريق الشيخ هي الطريقة الأفضل، هذه مقررةٌ وأسبابها كثيرة؛ لأنها أقل خطأً من التعلم من الكتاب، وموصلةٌ للمراد بسهل ويسر، فهناك مسائل لو أراد المرء أن يحقق بها بنفسه لاحتاج أن يقرأ مجموعة من الكتب وينظر فيها فيحصل لديه التعارض وربما لا يخرج منه، فوجود الشيخ يحلّ هذا الإشكال.

فنحن لا نتكلم عن أن وجود الشيخ مرتبةٌ قد تراجعت أهميتها من جهة الأفضلية، ولكنها في الحقيقة تراجعت من كونها الأكثر في تحصيل العلم.

فمُقررٌ أن الشيخ أفضل من الكتاب، هذه قد اتفقنا عليها، ولكن هل "الأكثر" الآن موجودٌ لدى الشيخ أم لدى الكتاب؟ الجواب: لدى الكتاب، وإذا علمنا أن التحصيل من الشيخ الآن من أصعب الأمور؛ فهل نُبطل طلب العلم من أجل تحصيل الشيخ وهو غير موجود، فبالنهاية لا علم؟ أم أن

مقدمة في أصول الفقه · الصفحة ١٠٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مقدمة في أصول الفقهص ١٠٨