تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويدل على هذا أيضاً قوله تعالى:"يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله"، ووجه الدلالة في قوله: فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى وبين أن اتباع الهوى يؤدي إلى الضلال.

سادساً: أن المصلحة والمفسدة في الشريعة ليست محدودة بالدنيا فقط بل تشمل المصالح في الدنيا والآخرة، وهذا الذي يميز الشريعة الإسلامية عن الأنظمة الوضعية.

ومن الأمثلة على هذا إقامة الحدود والقصاص، فإن إقامة الحد فيها مصلحةله في الدنيا بردعه عن الوقوع في الذنب مرة أخرى كما أن فيها مصلحة أخروية أعظم هي تكفير الذنب بدليل حديث عبادة بن الصامت، وفيه:":"بايعنا رسول الله على ألا نشرك بالله شيئاً ولا نسرق ولا نزني فمن وفى بذلك فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئاً ثم عُوقب به في الدنيا فهو كفارةٌ له، ومن أصاب من ذلك شيئاً ثم ستره الله عليه فهو إلى الله إن شاء عنه وإن شاء عذبه".متفق عليه

وهذا ما يميز التشريع الإسلامي عن النظم الوضعية، التي تنظر إلى تلك العقوبات على أنها مصادمة لحقوق الإنسان فيعتبرون قطع يد السارق تشويهاً، وقتل القاتل إزهاقاً للنفس، وجلد شارب الخمر، أما الإسلام فهو ينظر إلى تلك الحدود على أنها مصلحة للجاني في الدرجة الأولى، إذ يحصل بها تزكية نفسه، وتطهيره من دنس الذني الذي اقترفه، لينال رض الله الذي هو يفوق في الميزان ألم إقامة الحد.

سابعاً: أن العمل قد يكون في حد ذاته مصلحة، لكنه يلحق بالمفاسد لما يترتب عليه من المفاسد التي تفوق تلك المصلحة، وهذا ما يسميه أهل العلم ب"قاعدة سد الذرائع " أو قاعدة:" الوسائل لها أحكام المقاصد ".

وتختلف الذريعة عن الوسيلة في أمرين:

الأول: ان الوسيلة تكون مؤدية إلى المقصود بشكل مباشر، أي أنها في الغالب تؤدي إليه أما الذريعة فإنها محتملة، فالمشي إلى الصلاة وسيلة، فيأخذ حكم المقصود منه، فيكون مندوباً، ولهذا كان للماشي إلى المسجد في كل خطوة حسنة، ويحط عنه خطيئة، ويرفع بها درجة، وسفر المعصية محرم لكونه وسيلة إليها ولهذا فإن المسافر للمعصية يكون آثماً في سفره من حين خروجه من بيته لأن الوسائل لها أحكام المقاصد.

ومثال الذريعة: مجالسة رفقاء السوء، فإنه ذريعة إلى الحديث الباطل ونحوه، أو السفر إلى بلاد الفسق لا بقصد المعصية، فإنه معصية لكونه ذريعة إلى الوقوع في المحرم من النظر الحرام ونحوذلك، وما كان محرماً تحريم وسائل أو ذرائع فإنه يباح عند الحاجة أوز المصلحة الراجحة كما سيأتي.

مقاصد التشريع الإسلامي · الصفحة ١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مقاصد التشريع الإسلاميص ١١