... لا ريب أن الله – عزَّ وجلَّ – هو خالق لخلق وموجدهم من العدم، وهو – سبحانه – الذي رَبَّاهم بنعمه ويسَّر لهم معاشهم، وكفل لهم ما يكون سبباً لبقائهم إلى ما شاء – تعالى وتقدَّس – .
... ولو نظر العاقل بعين الإِنصاف في أمر هذه الخَليقة، لَعَلِمَ أنَّ الله – تعالى – لو لم يوجب علينا عبادته وطاعته ابتغاء رضاه وترك معاصيه وأسباب سخطه، لكان ذلك متعيِّناً علينا بدافع الفطرة والجِبِلَّة، ومقابلة إحسانه – تعالى – بالإحسان، ولن يحصى ذلك أحد فإلهٌ أوجدنا ورزقنا وتكفل بأسباب معايشنا بيده – وحده – الخلق والأمر لا ريب أنه أهلٌ لأن يٌطَاع فلا يعصى، ويذكر ف ينسى، ويُشكر فلا يُكفر .
... قال – عزَّ من قائل - : ( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (
(1) انظر " فتح الباري " : 13/109 .
ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ((1) .
هَبِ البعث لم تأتنا رُسْلَهُ ... ... وجاحِمَة النَّار لم تُضْرَمِ
أليس من الواجب المستحقِّ ... ... حَيَاءُ العبادِ من المُنْعِمِ
... ولما قامت في قلب المؤمن هذه المعاني وتأمَّلها، أمر بالمعروف تعظيماً لله، وإجلالاً وحبةً له – سبحانه – ونهى عن المنكر غضباً له على انتهاك محارمه وتنزيهاً وتقديساً له – تعالى – عن الِعصْيان، وافتدى في سبيل ذلك بالأنفس والأموال .