على مثل هذه الخيانة. والنص يعجب هنا منهم: وما نقموا إلا أن أغناهم اللّه ورسوله من فضله .. فما من سيئة قدمها الإسلام لهم ينقمون عليه هذه النقمة من أجلها .. اللهم إلا أن يكون الغنى الذي غمرهم بعد الإسلام، والرخاء الذي أصابهم بسببه هو ما ينقمون! ثم يعقب على هذا التعجيب من أمرهم، بعد كشف خبيئاتهم بالحكم الفاصل: فإن يتوبوا يك خيراً لهم، وإن يتولوا يعذبهم اللّه عذاباً أليماً في الدنيا والآخرة، وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير .. بعد هذا كله يظل باب التوبة مفتوحاً على مصراعيه. فمن شاء لنفسه الخير فليدلف إلى الباب المفتوح. ومن أراد أن يمضي في طريقه الأعوج، فالعاقبة كذلك معروفة: العذاب الأليم في الدنيا والآخرة. وانعدام الناصر والمعين في هذه الأرض .. ولمن شاء أن يختار، وهو وحده الملوم: فإن يتوبوا يك خيراً لهم، وإن يتولوا يعذبهم اللّه عذاباً أليماً في الدنيا والآخرة، وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير ..
3 - ملة الكفر واحدة في الأرض، فكلهم يتعاون مع بعضهم ضدنا
قال تعالى في سورة الأنفال {وَالَّذينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأرض وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴿73﴾}
يقول الشهيد سيد رحمه الله
وكما أن المجتمع المسلم مجتمع عضوي حركي متناسق متكافل متعاون يتجمع في ولاء واحد، فكذلك المجتمع الجاهلي:
والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ..
إن الأمور بطبيعتها كذلك - كما أسلفنا. إن المجتمع الجاهلي لا يتحرك كأفراد؛ إنما يتحرك ككائن عضوي، تندفع أعضاؤه، بطبيعة وجوده وتكوينه، للدفاع الذاتي عن وجوده وكيانه. فهم بعضهم أولياء بعض طبعاً وحكماً .. ومن ثم لا يملك الإسلام أن يواجههم إلا في صورة مجتمع آخر له ذات الخصائص، ولكن بدرجة أعمق وأمتن وأقوى. فأما إذا لم يواجههم بمجتمع ولاؤه بعضه لبعض، فستقع الفتنة لأفراده من المجتمع الجاهلي - لأنهم لا يملكون مواجهة المجتمع الجاهلي المتكافل أفراداً - وتقع الفتنة في الأرض عامة بغلبة الجاهلية على الإسلام بعد وجوده. ويقع الفساد في الأرض بطغيان الجاهلية على الإسلام؛ وطغيان ألوهية العباد على ألوهية الله؛ ووقوع الناس عبيداً للعباد مرة أخرى. وهو أفسد الفساد: إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ..
ولا يكون بعد هذا النذير نذير، ولا بعد هذا التحذير تحذير .. والمسلمون الذين لا يقيمون وجودهم على أساس التجمع العضوي الحركي ذي الولاء الواحد والقيادة الواحدة، يتحملون أمام الله - فوق ما يتحملون في حياتهم ذاتها - تبعة تلك الفتنة في الأرض، وتبعة هذا الفساد الكبير.
4 - طبيعة هذا الدين بما أنه من عند الله تعالى فيجب أن يعم الأرض حتى يهيمن منهج الله تعالى عليها ويقضى على كل فتنة وفساد فيها.
قال تعالى في سورة البقرة آمرا لنا بقتال الكفار حتى تزول الفتنة من الأرض ... {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ