تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد قعّد ابن تيمية رحمه الله بواسع علمه وعميق فهمه قاعدة جليلة في الإفتاء في أي قضية يراد معرفة حكم الله فيها، وذلك في بداية فتواه الشهيرة عن التتار وحكم قتالهم ، فقد ذكر أن الحكم على أي طائفة أو قوم يقوم على أصلين: أحدهما المعرفة بحالهم ، والثاني معرفة حكم الله في أمثالهم ، وهذان الأصلان يقومان على الحكم المنافي للجهل ، إذ الكلام في الناس لا يجوز بغير علم وبصيرة«(2).

وعلى هذا الأساس ينبغي التحري فيما يروى عن الوقائع التي كانت بين أعيان الصدر الأول من الصحابة رضي الله عنهم فالمعرفة بحالهم تدل على كمال إيمانهم وصدقهم وحسن سريرتهم وفعلهم للخيرات وتضحيتهم بالنفس والنفيس في سبيل الحق ، كل ذلك يرفع منازلهم إلى درجات عالية مما يجعلهم جميعاً من لابس الفتن منهم ومن لم يلابسها أهلاً للاقتداء بهم،وأهلاً للرواية، تقبل أخبارهم في أعلى درجات القبول، وتوزن أعمالهم بميزان الورع والإحسان، مما ينفي عنهم ما نسب إليهم من أوصاف سيئة، هذا علاوة على بيان حكم الله فيهم ، إذ تواترت النصوص الشرعية في تزكيتهم وتعديلهم.

فلا جدال في أن الصحابة رضوان الله عليهم قدوة لكل مسلم فيما يتعلق بأمور الدين ، ولا مجال للطعن في تدينهم وصحة عقيدتهم وسلامة أخلاقهم ، لكن ذلك لا يمنع أن يقع منهم الخطأ ، إذ ليسوا معصومين ، ولذلك فإن ما وقع بينهم من خلافات سياسية هي من قبيل الأمور الاجتهادية التي لا تقدح في مكانتهم السامية ، وإذا سجل التاريخ تلك الخلافات فلا ينبغي أن تحمل على محمل الانتقاص منهم.

وقد أمر الله جل وعلا المؤمنين بالرجوع إلى ما علموا من إيمان إخوانهم الذي يدفع السيئات ، وأن يعتبروا هذا الأصل العظيم ولا يعبؤوا بكلام المتربصين والمغرضين الذي يناقضه ويقدح فيه ، فيحسنوا الظن بإخوانهم ، بل يدحضوا ما يروج ضدهم من شائعات وافتراءات تمس كرامتهم ، وتحط من أقدارهم.

منهج التفسير التاريخي · الصفحة ١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

منهج التفسير التاريخيص ١٢