و رده هذا صحيح و في محله، لأن المريسي في مغالطته سوّى بين الحي المتكلّم الذي ليس الكلام في حقه مجازا و لا تشبيها، و بين الجماد الميت الذي الكلام ليس من طبعه، و إنما هو في حقه مجاز و تشبيه، يحتاج إلى قرينة تُبين معناه، فقولنا: قال الجدار فمال، نكون ألحقنا بالكلام قرينة تبين المقصود من قول الجدار، عكس إذا ما قلنا: قال الإنسان، فلا حاجة إلى قرينة تبين المقصود، لأن الإنسان من طبعه الكلام. و يُلاحظ أيضا على المريسي أنه تناسى الآيات القرآنية الكثيرة الصريحة في تكلّم الله تعالى، كقوله: ((و كلم موسى تكليما))،و ((و إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة))، فهو قد تناساها لأنها ترد باطله و تعلّقَ بآية فسّرها على هواه لعله يجد فيها مستندا لزعمه.
و خامسا إن من مغالطاتهم: تفسير الآيات القرآنية على غير قواعد اللغة العربية، فذكر الإمام أبو بكر بن خزيمة، أن بعض الجهمية عندما أراد نفي صفة الجلال و الإكرام عن وجه الله تعالى، زعم أن قوله تعالى: ((و يبقى وجه ربك ذو الجلال و الإكرام)) -سورة الرحمن/27 - ، هو صفة لله بالجلال و الإكرام، و ليس وصفا لوجهه تعالى، فهو-في زعمه- كقوله تعالى: ((تبارك اسم ربك ذي الجلال و الإكرام)) -سورة الرحمن/78 - ، فردّ عليه ابن خزيمة مبينا أن زعمه فيه مغالطة، و جهل بلغة العرب، لأن في الآية الأولى جاءت كلمة: ذو مرفوعة ككلمة الوجه، فالجلال و الإكرام مردودان إلى الوجه، لا إلى ربك؛ فلو كانا مردودين لله تعالى لجاءا مكسورين، كما في الآية الثانية ((ذي الجلال و الإكرام)) (1).
و يتبين من النماذج التي ذكرناها أن أصحاب الحديث تنبّهوا إلى أن خصومهم من المتكلمين يستخدمون المغالطات و التلبيسات و السفسطات الجدلية، لنشر أفكارهم بين الناس، و التدليس بها عليهم، و إبعادهم عن الصراط المستقيم، فتصدوا لهم و كشفوا مغالطاتهم، و حذّروا الناس من ألاعيبهم.
أُسس أخرى:
كان لأهل الحديث أُسس أخرى أقاموا عليها منهجهم الكلامي، أذكر منها أربعة، أولها إظهار أن المتكلمين المعطلين للصفات يقيسون الله على مخلوقاته، و يتجاهلون أنه تعالى ((ليس كمثله شيء و هو السميع البصير))،و أنه ((لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفوا أحد))، من ذلك أنهم نفوا عن الله علمه المستقبلي قبل خلق مخلوقاته، و زعموا أنه تعالى كان و ليس له علم، فلما خلق مخلوقاته عَلِمَ و حدث له علم، فردّ عليهم أبو سعيد الدارمي مبينا أن زعمهم هذا هو قياس لله على خلقه، و ادعاء باطل يناقض النقل و العقل (2). و لاشك أنه أيضا قول على الله بلا علم، و وصف له بالنقائص، و زعم لا دليل عليه، أقاموه على الظن و الهوى.
(1) كتاب التوحيد، ج1 ص: 52.
(2) الرد على الجهمية، ص: 138، 139، 140.