تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مسألة الرد على المتكلمين بين الجواز و المنع:

تباينت مواقف أهل الحديث في الرد على المتكلمين، بين المنع و الذم و الجواز و الإباحة، فمنهم طائفة منعت الرد عليهم، و حذّرت من سماع مقالاتهم، و مناقشتهم، و مناظرتهم، و الخوض معهم فيما خاضوا فيه. من هؤلاء: الحافظ محمد بن شهاب الزهري المدني (ت124ه) نهى عن المناظرة بكتاب الله تعالى، و سنة رسوله –عليه الصلاة و السلام- (1). و نهيه هذا محمول على الجدال بالباطل دون فهم للكتاب و السنة، و إلا فإذا لم يرد العلماء على المنحرفين عن الشرع بكتاب الله و سنة نبيه، فبماذا يردون عليهم؟! و قد حثنا الله تعالى على مجادلة الكفار بالقرآن الكريم، في قوله: ((و جاهدهم به جهادا كبيرا)) –سورة الفرقان /52 - .

و نهى محمد بن سيرين عن مجالسة أهل الأهواء و السماع منهم (2). و حذّر الحافظ علي بن المديني (ت234ه) من تعلّم الجدل و المناظرة (3).و كان أبو محمد البربهاري البغدادي الحنبلي (ت 329ه) يذم الكلام و الجدال مطلقا، و يقول: هو بدعة و ضلالة، و يقدح الشك في القلب، و يُوصل إلى الزندقة و الكفر. و نهى أيضا عن التعمق و الجدال و حثّ على التسليم و الكف و السكوت؛ و ذكر قوله تعالى ((و ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا)) –سورة غافر/4 - . و حثّ أيضا على عدم الرد على أهل الأهواء و البدع، بدعوى أننا أُمرنا بالسكوت عنهم و لا نمكنهم من أنفسنا، مستدلا بما رُوي عن محمد بن سيرين أنه لم يُجب رجلا من أهل البدع في مسألة واحدة، و لا سمع منه آية خوفا من أن يُحرّفها فيقع في قلبه شيء. ثم كرر أبو محمد البربهاري تحذيره من المناظرة، و قال: ((و لم يبلغنا عن أحد من فقهائنا و علمائنا أنه ناظر و جادل أو خاصم))،و استدل بقوله تعالى ((ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا)) - سورة غافر/4 - (4).

و تعليقا عليه أقول: يبدو من كلامه أنه ذم كلام المعتزلة و أمثالهم، و لم يذم الكلام الصحيح. بدليل أنه عندما قرر أن الكلام في ذات الله تعالى مُحدث و بدعة و ضلالة، نجده يشرع في الكلام في ذات الله، و يقرر مذهب أهل السنة، فيقول: ((و لا يُتكلّم في الرب إلا بما وصف به نفسه –عزّ و جلّ- في القرآن و ما بينه رسول الله – صلى الله عليه و سلم- لأصحابه؛ فهو جلّ ثناؤه واحد ((ليس كمثله شيء، و هو السميع البصير)) –سورة الشورى/11 - ، ربُنا أول بلا متى وآخر بلا منتهى

(1) جمال بادي: الآثار الواردة عن أئمة السنة في أبواب الاعتقاد، ط1 الرياض، دار طيبة الرياض، دار الوطن، 1416ه ج2 ص: 674

(2) نفس المرجع، ج1 ص: 385.

(3) اللاكائي هبة الله: شرح اعتقاد أصول أهل السنة، حققه أحمد الغامدي، ط5، الرياض دار طيبة، ج 1ص: 186.

(4) أبو محمد البربهاري: شرح السنة، حققه ياسر الردادي، السعودية، مكتبة الغرباء، ص: 71، 94، 95، 106، 128، 130، 131.

منهج أهل الحديث في الرد على المتكلمين · الصفحة ٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

منهج أهل الحديث في الرد على المتكلمينص ٣