سموهم إناثا (1). و واضح أيضا أن الكلام لا يستقيم إذا وضعنا كلمة جعلوا، محل: خلقوا، فيُصبح معني الآيتين: الذين خلقوا القرآن عِضين. و الذين خلقوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن. فهذا بلا شك كلام باطل.
و النوع الثاني قوله تعالى: ((يجعلون أصابعهم في آذانهم)) -سورة البقرة/19 - ، فهذا فعل من أفعالهم؛ و توجد آيات أخرى هي من الفعل، لكنها متعلقة بفعل الله تعالى لا بفعل البشر، و هي تحمل معنى الخلق و غيره، فالتي تحمل معنى الخلق، منها قوله تعالى: ((و جعلنا الليل و النهار آيتين)) -سورة الإسراء /12 - .و التي لا تحمل معنى الخلق، منها قوله تعالى –عن إبراهيم –عليه السلام -: ((إني جاعلك للناس إماما)) -سورة البقرة/124 - و ((رب أجعل هذا البلد آمنا)) -سورة إبراهيم/ 35 - و ((فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا)) -سورة القصص/5 - فهذه الآيات لا تحمل معنى الخلق. ثم ردّ –أي الإمام احمد- على الجهمية في احتجاجهم بقوله تعالى: ((إنا جعلناه قرآنا عربيا)) -سورة الزخرف/3 - ،و بيّن أن معناها الفعل من الله على غير معنى الخلق، و إنما على معنى: أنزلناه بلسان العرب و بيناه (2). فرده هذا جاء جامعا للنصوص و محررا لموضوع النزاع، و هو ما لم يفعله الجهمية في احتجاجهم بآيات هذا الموضوع. . علما بأن من أوجه التفريق بين جعل التي هي بمعنى: صيّر، و التي بمعنى: خلق، هي أن ((جعل)) إذا عُديت إلى مفعولين فهي بمعنى: صيّر، و إذا عُديت إلى مفعول واحد فهي بمعنى: خلق و أوجد (3)
و سابعا إن من مظاهر انحرافهم المنهجي، احتجاجهم بآيات قرآنية ناقصة يقطعونها عن سياقها تدعيما لمقالاتهم، فمن ذلك أن الجهمية لما ادعوا أن الله تعالى بذاته معهم و فيهم، احتجوا بقوله تعالى: ((ما يكون نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم)) -سورة المجادلة/7 - ، لكن احمد بن حنبل عاب عليهم أنهم قطعوا الآية من أولها ((ألم تر أن الله يعلم ما في السموات و الأرض))،و من آخرها ((إن الله بكل شيء عليم))، فالآية بدأها الله تعالى بالعلم و ختمها به، مما يعني أن الله تعالى ليس داخلا في مخلوقاته بذاته، و إنما هو معهم بعلمه (4).
و ذكر-أي الإمام احمد – أن الجهم بن صفوان يستشهد بمتشابه القرآن و يترك آياته المحكمة، و يبتر بعضها عن سياقها عمدا- دعما لمقولاته-، فعندما أراد الاستشهاد على نفي الصفات الإلهية، ذكر قوله تعالى: ((ليس كمثله شيء)) و لم يُكمل الآية ((و هو السميع البصير))،و لا ذكر آيات
(1) عبد الإله الأحمدي: الرسائل و المسائل، ج 1ص: 208.
(2) نفسه، ج1 ص: 208.
(3) أنظر مثلا: المرتضي الزبيدي: تاج العروس، ج 1: 6934.
(4) ابن القيم: اجتماع الجيوش الإسلامية، ص: 94، 95.