تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

،و قد ورد في الصحيحين عن رسول الله –صلى الله عليه و سلم- أن الله تعالى يأتي إلى المؤمنين. و الآية الثانية معناها أن الله تعالى مكر بهؤلاء الضالين من قِبل بنيانهم، فخرّ عليهم السقف (1). و واضح من كلام المريسي أن ما زعمه هو تأويل باطل، يخالف الآية صراحة في تقريرها إتيان الله تعالى، و سبب خطئه هو نفيه لأفعال الله تعالى و صفاته، بدعوى نفي التشبيه و التجسيم، فوقع في التعطيل و التحريف و التشبيه و التجسيم من حيث يدري أو لا يدري.

و ثالثا إن من مظاهر انحرافهم المنهجي في موقفهم من القرآن الكريم، أن الإمام أبا بكر بن خزيمة (ت311ه) ذكر أن الجهمية لا يتدبرون القرآن و لا يفهمونه، فلو تدبروا آية منه و فهموها لوجدوها ترد عليهم في زعمهم أن الله بذاته في كل مكان، و لعقلوا أنهم جُهال لا يعون ما يقولون؛ و هي قوله تعالى – عندما سأله موسى-ع- النظر إليه: ((قال لن تراني و لكن انظر إلى الجبل، فإن استقر مكانه فسوف تراني، فلما تجلى ربه للحبل جعله دكا و خرّ موسى صعقا)) - سورة الأعراف /143 - ، فالآية يتبين منها أن الله تعالى لو كان بذاته في كل موضع، و مع كل مخلوق على زعم هؤلاء الجهمية، لكان متجليا لكل شيء في الكون، و لجعل المخلوقات دكا، كما جعل الجبل دكا عندما تتجلى له (2).

و رابعا إن من مظاهر انحرافهم المنهجي أيضا، أن ابن قتيبة انتقد المتكلمين في أنهم يردون حقائق القرآن باستخدامهم للتأويل الباطل (3)، سعيا منهم لرد القرآن إلى مذهبهم. فمن ذلك أنهم قالوا إن معنى قوله تعالى: ((وسع كرسيه السموات و الأرض)) -سورة المدثر/30 - ، هو علمه لينفوا وجود الكرسي المذكور في الآية. و قالوا في قوله تعالى: ((و اتخذ الله إبراهيم خليلا)) -سورة النساء /125 - ، أن معناه هو أن إبراهيم فقير إلى رحمة ربه، لينكروا اتخاذ الله تعالى إبراهيم خليلا، و زعمهم هذا غير صحيح، لأن دعواهم ليس فيها فضيلة لإبراهيم –عليه السلام-، لأن كل الناس فقراء إلى الله تعالى (4).

و هذا فضلا على أن تأويلهم المزعوم باطل لا تشير إليه الآية مطلقا، فهي واضحة في تقريرها أن الله تعالى اتخذ إبراهيم خليلا. و ذكر أيضا أنهم ادعوا في قوله تعالى: ((و قالت اليهود يد الله مغلولة)) -سورة المائدة/ 64 - ، أن معنى اليد هنا هو النعمة. فرد عليهم ابن قتيبة أن تأويلهم المزعوم لا يجوز في هذه الآية، لأن الله تعالى قال بعدها: ((غُلت أيديهم، و لعنوا بما قالوا، بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء)) -سورة المائدة/64 - ، معارضة لما قاله اليهود، فلا يجوز أن يُقال: غُلت نعمهم. و لا

(1) ابن تيمية: درء تعارض العقل و النقل، ج1 ص: 271.

(2) كتاب التوحيد، ص: 257 - 258.

(3) للتأويل عدة معان، منها: التفسير و البيان، لكن التأويل الباطل الذي يقصده المتكلمون هو صرف اللفظ عن معناه الظاهر الراجح إلى معنى آخر مرجوح، كتفسير الاستواء بالاستيلاء. و للمزيد انظر: ابن القيم: مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية و المعطلة، حققه رضوان جامع، بيروت، دار القلم، 1997،ج1 ص: 39 و ما بعدها.

(4) تأويل مختلف الحديث، ص: 64، 67.

منهج أهل الحديث في الرد على المتكلمين · الصفحة ١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

منهج أهل الحديث في الرد على المتكلمينص ١٧