احتج المحدثون –في ردهم على المتكلمين- بأقوال السلف الأول من الصحابة و تابعيهم من أئمة أهل السنة، و طالبوهم أيضا بأن يأتوا بآثار عنهم لدعم مزاعمهم و مقالاتهم. فمن ذلك أن أبا سعيد الدارمي تحدى الجهمية –عندما ناقشهم في مسألة خلق القرآن- بأن يأتوا بنص من القرآن، أو من السنة، أو من أقوال السلف، فيه –أي النص- أن القرآن من خلق الله، و قال لهم: ((فهاتوا عن أحد منهم منصوصا أنه خلق الله كما ادعيتم، و إلا فأنتم المفارقون لجماعة المسلمين قديما و حديثا، الملحدون في آيات الله، المفترون على الله و على كتابه و رسوله، و لن تأتوا عن أحد منهم)) (1).
و من أقوال السلف التي احتج بها المحدثون على الجهمية في إنكارهم لعلو الله تعالى، قول يُروى عن أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – و فيه أنه قال: ((أيها الناس إن كان محمد إلهكم الذي تعبدون فإن إلهكم قد مات، و إن كان إلهكم الله الذي في السماء فإن إلهكم لم يمت)) (2). و موضع الاحتجاج هنا هو قوله: ((إلهكم الله الذي في السماء))، و هو صريح بأن الصحابة كانوا يعتقدون أن الله تعالى في السماء. و منها أيضا قول لعبد الله بن مسعود –رضي الله عنه-: ((ما بين السماء الدنيا و التي تليها مسيرة خمسمائة عام، و بين كل سماء مسيرة خمسمائة عام، و بين السماء السابعة و بين الكرسي خمسمائة عام، و بين الكرسي إلى الماء خمسمائة عام، و العرش على الماء، و الله تعالى فوق العرش، و هو يعلم ما أنتم عليه)) (3). فهذا نص صريح في علو الله تعالى على خلقه.
و منها أيضا قول عبد الله بن عباس- رضي الله عنه- لعائشة أم المؤمنين –رضي الله عنها-: (( ... و أنزل الله براءتك من فوق سبع سموات، جاء بها الروح الأمين)) (4).و موضع الشاهد على علو الله هو قوله: ((من فوق سبع سموات))، مما يعني أن الصحابة - منهم ابن عباس – كانوا يؤمنون بأن الله تعالى بائن عن خلقه، و أنه على عرشه فوق سبع سموات، و ليس هو بذاته في مخلوقاته.
و منها أيضا قول الفقيه المحدث عبد الله بن المبارك في الجهمية: ((إنا نستجيز أن نحكي كلام اليهود و النصارى، و لا نستجيز أن نحكي كلام الجهمية))، لأن كلامهم في تعطيل الصفات فيه ما هو أوحش من كلام اليهود و النصارى (5).و عندما قيل له: كيف ينبغي أن نعرف ربنا؟ قال: على السماء السابعة على عرشه، و لا نقول كما تقول الجهمية أنه هاهنا في الأرض))،و في رواية ((بأنه فوق السماء السابعة على العرش، بائن من خلقه)) (6).
(1) الدارمي: الرد على الجهمية، ص: 180.
(2) نفس المصدر، ص: 53.
(3) نفس المصدر، ص 55.
(4) نفس المصدر، ص: 57.
(5) عبد الله بن احمد: السنة، ص: 13.
(6) نفسه، ص: 13.و الدارمي: المصدر السابق، ص: 47.