تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَكَوْنُهُمْ عَلِمُوا الْحَقَّ وَعَدَلُوا عَنْهُ أَعْظَمُ وَأَعْظَمُ ; فَإِنَّ ذَلِكَ قَدْحٌ فِي عَدَالَتِهِمْ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ أَنْ يَكُونُوا خَيْرَ الْقُرُونِ بِالضَّرُورَةِ. وَلِأَنَّ الْقُرْآنَ أَثْنَى عَلَيْهِمْ ثَنَاءً (١) يَقْتَضِي غَايَةَ الْمَدْحِ، فَيَمْتَنِعُ (٢) إِجْمَاعُهُمْ وَإِصْرَارُهُمْ عَلَى الظُّلْمِ الَّذِي هُوَ ضَرَرٌ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ كُلِّهَا ; فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ ظُلْمًا لِلْمَمْنُوعِ مِنَ الْوِلَايَةِ فَقَطْ، بَلْ هُوَ ظُلْمٌ لِكُلِّ مَنْ مَنَعَ نَفْعَهُ مِنْ وِلَايَةِ الْأَحَقِّ بِالْوِلَايَةِ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ رَاعِيَانِ: أَحَدُهُمَا هُوَ الَّذِي يَصْلُحُ لِلرِّعَايَةِ وَيَكُونُ أَحَقَّ بِهَا، كَانَ مَنْعُهُ مِنْ رِعَايَتِهَا يَعُودُ بِنَقْصِ الْغَنَمِ حَقَّهَا مِنْ نَفْعِهِ.

وَلِأَنَّ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ دَلَّا عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ خَيْرُ الْأُمَمِ، وَأَنَّ خَيْرَهَا أَوَّلُهَا، فَإِنْ كَانُوا مُصِرِّينَ عَلَى ذَلِكَ، [لَزِمَ] (٣) أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْأُمَّةُ شَرَّ الْأُمَمِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ أَوَّلُهَا خَيْرَهَا.

وَلِأَنَّا (٤) نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ لَيْسُوا مِثْلَ الصَّحَابَةِ، فَإِنْ كَانَ أُولَئِكَ ظَالِمِينَ مُصِرِّينَ عَلَى الظُّلْمِ، فَالْأُمَّةُ كُلُّهَا ظَالِمَةٌ، فَلَيْسَتْ خَيْرَ الْأُمَمِ.

وَقَدْ قِيلَ لِابْنِ مَسْعُودٍ لَمَّا ذَهَبَ إِلَى الْكُوفَةِ: مَنْ وَلَّيْتُمْ؟ قَالَ: " وَلَّيْنَا أَعْلَانَا ذَا فُوقٍ وَلَمْ نَأْلُ ". وَذُو الْفُوقِ هُوَ السَّهْمُ (٥)، يَعْنِي أَعْلَانَا سَهْمًا فِي الْإِسْلَامِ.

فَإِنْ قِيلَ: قَدْ يَكُونُ أَحَقَّ بِالْإِمَامَةِ، وَعَلِيٌّ أَفْضَلُ مِنْهُ.

(١) م: بِثَنَاءٍ.

(٢) ن، ش، ب: فَيَمْنَعُ.

(٣) لَزِمَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) .

(٤) م: فَإِنَّا. .

(٥) فِي " لِسَانِ الْعَرَبِ ": " وَالْفُوقُ ": مُشْتَقُّ رَأْسِ السَّهْمِ حَيْثُ يَقَعُ الْوَتَرُ ".

منهاج السنة النبوية · الجزء ٨ · الصفحة ٢٢٧

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

منهاج السنة النبويةج ٨ · ص ٢٢٧