ج: لمدة عشرين عاما كنت أقرأ كتابا واحدا على الأقل كل يوم، أحيانا كنت أقرأ كتابين أو ثلاثة، فى طفولتى قرأت العقاد وطه حسين وزكى مبارك ومحمد عبد الحليم عبد الله ومحمود ومحمد تيمور وكتبا كثيرة جدا فى السيرة النبوية وتاريخ الإسلام.. بعد ذلك قرأت تولستوى كله ودستويفسكى كله وتشيكوف وكيركجارد و إبسن وفوكنر وشكسبير ونجيب محفوظ وماركيز ويوسف إدريس وسارتر وكامى وشوقى والبارودى وحافظ و أمل دنقل وصلاح عبد الصبور.. وحتى جمال الغيطانى وصلاح عيسى وأصلان .. و .. و.. هؤلاء قرأت لهم كل أعمالهم.. بعضها قرأته مرات عديدة.. الآخرون - وهم مئات - قرأت بعض أعمالهم .. درست التاريخ والفلسفة الغربية فى كتب غربية.. كنت مبهورا بالأدب والفكر فى الغرب ( مع اعتبار أن روسيا جزء من الغرب).. لذلك أستطيع أن أفهم الآن جيدا عقلية المنبهرين.. واستمر ذلك حتى عام حزن آخر.. عام زيارة السادات للقدس.. حين ذبح الأمل وتزلزل اليقين وبدت نذر التلاشى لنا كأمة عربية.. و أدركت أن هزيمة 67 و إهدار نصر 73 وعمق الانهيار الذى نعيشه لم تكن جميعا نقص حظ أو سوء طالع .. بل كانت نتيجة فقدان المرجعية.. وانكببت على كتب التاريخ أنزف بين صفحاتها باحثا عن سبب انهيارنا.. وفى كتاب للتاريخ وجدت المستشرق يستشهد بكتاب البداية والنهاية لابن كثير والكامل لابن الأثير.. أتيت بالكتابين.. كل كتاب منهما يقع فى عشرة أجزاء ضخمة .. انتهيت منها فى أقل من شهر.. ثم بدأت أعيد قراءة الفكر والتاريخ الإسلامى.. وبدأت أدرك حقيقة الخدعة الكبرى التى غرقت فيها عشرين عاما.. و اكتشفت الفارق بين اللمعان الزائف للحضارة الغربية وبين العمق المتناهى للثقافة الإسلامية العربية.. وامتلأت بشعور جارف من الغضب و الإحساس بمرارة الخديعة.. نعم.. فيما عدا الأدب فقد خدعنى مفكرو الغرب.. وقد كذبوا وتحيزوا وكانت معاييرهم مزدوجة دائما.. بعد ذلك بعقد من الزمان.. فى عام حزن آخر..عام حرب
ملف وليمة لأعشاب البحر · الصفحة ٢٥٦
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
ملف وليمة لأعشاب البحرص ٢٥٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي