وفي عهد الأمويين لم تتغير ملامح القضاء عنها في العهد النبوي أو عهد الراشدين ؛ لكن مقتضيات التطور أظهرت الحاجة إلى التدوين ؛ إذ إن التناكر بين الناس لم يقتصر على الحقوق فيما بينهم ؛ بل تعداها إلى الأحكام التي يصدرها القضاة ، فوجدت السجلات القضائية التي تدوّن فيها الأحكام ؛ وأول ذلك ما كان من سليم بن عنز قاضي مصر زمن معاوية بن أبي سفيان(1) .
ثم شهد القضاء في العصور التالية مزيداً من التطور ؛ حتى أصبح علماً مستقلاً صنفت فيه الكثير من المصنفات والمؤلفات العلمية ؛ وبرز فيه العلماء المتخصصون ؛ وأفردت له في كتب الفقه الجامعة أبواب مستقلة بعنوان " أدب القاضي " أو " كتاب القضاء " .
ومن أبرز مظاهر هذا التطور الاستقلال القضائي ؛ فالقضاء أرفع من المناصب الوزارية ؛ لأن مرجعيته شريعة الله تعالى وعليه مدار الأحكام ؛ وهو ملاذ المظلومين فلا بد أن يكون حراً في إيقاف الباغين عن بغيهم .
فالقاضي لا يتلقى الأوامر من الهيئات الحاكمة ؛ ولا توجد أية سلطة في الدولة تملك نقض أحكامه – ما دامت قطعية غير مخالفة للحق - فالسلطة القضائية مستقلة لا تدخل لأحد فيها ؛ والحاكم لا يملي على القاضي شيئاً من الأحكام ؛ كما قال عمر رضي الله عنه في كتابه إلى القاضي شريح " وإن شئت أن تؤامرني , ولا أرى مؤامرتك(2) إياي إلا أسلم لك "(3) .
(1) . بلغة السالك للصاوي 4/197 .
(2) . أي مشاورتك لي ، انظر لسان العرب لابن منظور 4/30 .
(3) . إعلام الموقعين لابن القيم 1/67 .