هذه المقالة تؤمن بان العالم بات مختلف جداً عن العالم السابق على هجمات 11/ 9 وتؤمن أيضاً بأن خديعة كبرى تحضرها أمريكا بل إن هناك أشياء في الخفاء تحدث ربما لا تكون لها أية علاقة مباشرة بما يجري على السطح من قصف أفغانستان وأن الجمرة الخبيثة هي إحدى آليات هذه الخديعة، أيضاً هذه المقالة تنزع إلى الحيادية من حيث أنها لا تبرئ أحداً ولا تتهم أحداً ولا تصف أخر ولكنها في التحليل تشدد على طرح عشرات الأسئلة الاستبيانية والتي تجد مبرراتها في مضامين الحدث وتداعياته على مختلف المستويات. أخيراً فالمقالة تصر على أن هناك فاعل ما زال مجهولاً وهذا الفاعل (فرد، منظمة، جماعة، دولة، مؤسسة ... ) قادر على التهديد باستمرار، و أن الانحياز السياسي والأيديولوجي في معالجة أحداث الثلاثاء سيبقية طليقاً مما يعني أن هناك خطر دائم يهدد أية دوله أو شعب أو رمز انساني أوحضاري ... الخ في هذا السياق ينبغي أن نضع نصب العين ما تفكر به أمريكا لا ما تقوم به والسؤال الذي يستحوذ على كل النشاط الأمريكي واحد لم يتغير ولن يتغير بإختصار من هو الفاعل أولاً وثانياً وثالثاً؟ وماذا لوكانت إسرائيل وليس بن لادن؟
الحدث
في الحادي عشر من سبتمبر 2001 م وعلى مقربة من صلاة العصر بتوقيت مكة المكرمة قطعت محطات التلفزة والإذاعات الدولية برامجها وأفسحت المجال لصورة الحدث وللكلمة لتنقل وقائع إصطدام طائرة ركاب مدنية أمريكية بأحد برجي التجارة الدولية في مدينة نيو يورك الامريكية. الى هنا ورغم هول الحدث بدا الخبر عادياً وكأن ما حصل لا يعدو كونه حادثاً مأساوياً كبيراً.
بعد نحو عشرين دقيقة أو أكثر بقليل، وبينما كاميرات المراسلين والصحفيين أمام أعين مئات الملايين المتسمرين أمام شاشات التلفزيون تراقب البرج المحترق، إذا بطائرة ثانية تصطدم ببرج التجارة العالمي التوأم من جهة وتخرج من الجهة الثانية مخلفة وراءها كتلة نارية هائلة ومنظرا يهز الأعماق.
وبالكاد استعاد المشاهد القدرة على متابعة الحدث المريع وإذا بخبر لا يقل ضراوة عن حريق ضخم اندلع في مبنى وزارة الدفاع الأمريكية الشهير بـ " البنتاغون " تبين بعد لحظات أو دقائق معدودة أنه ناجم عن اصطدام طائرة ثالثة بالمبنى في العاصمة الأمريكية واشنطن.
كان الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن قد أعلن أنه سيعود إلى البيت الأبيض في واشنطن غداة الاصطدام الأول ثم ما لبث ناطق رسمي بعد توالي الاصطدامات في المراكز الحيوية أن أعلن أن الرئيس الأمريكي لن يعود الى واشنطن، وبعد معلومات تلقتها المخابرات الفيدرالية الأمريكية، نقلاً عن مصادر في سلطات الطيران في المطارات والشركات، تقول أن ثمانية طائرات مدنية أمريكية اختطفت وأن إحداها متوجهة نحو البيت الأبيض. هكذا إذن " أمريكا في حالة حرب " كما يعلن الرئيس. على الفور توالت التصريحات المفزعة معلنة حالة الاستنفار القصوى في الولايات المتحدة الأمريكية وفي دول عديدة من العالم أولها بريطانيا. أما قائد سلاح الجو الأمريكي فقد أصدر تعميماً أمر فيه بحظر شامل للطيران في شتى أجواء الولايات المتحدة ووجوب إسقاط أية طائره تحلق في المجال الجوي. ولم تمر سوى دقائق حتى أعلنت ولاية بنسلفانيا الأمريكية عن إصطدام طائرتي ركاب مدنيتين على مدرجات المطار الدولي للولاية ومقتل جميع ركابهما تبين فيما بعد أنهما مخطوفتان وأنه تم اسقاطهما بينما كانت إحداهما متوجهة نحو البيت الأبيض فيما تبحث الثانية عن طائرة الرئيس الأمريكي، وفي غضون ذلك تستنفر قوى الدفاع المدني في الولايات المتحدة ودول أخرى في العالم للقيام بعمليات إخلاء واسعة للمباني والمؤسسات الحكومية والأبراج العالية.
هكذا اختلطت المشاعر وتشوش التفكير وفقد المرء وزنه. فأية مشاعر يعبر عنها وسط حالة الذهول والرعب وطائرات الهيلوكبتر تحوم حول البرجين المحترقين ومبنى البنتاغون يحترق ووسط عجز تام لا مثيل له في تاريخ الإنسانية وفي أعظم دولة في التاريخ هيبة ومكانة وقدرات يتهاوى البرجان أمام أعين مئات الملايين في مشهد أبشع من خيال هوليود السينمائي اللا محدود ورعب وهلع غير مسبوقين يضربان الهرم السياسي الأمريكي من أعلى قمته الى أخمصه ويصيب صميم المجتمع الأمريكي ماديا وفي كرامته. ففي عقر دار أمريكا التي ما أتسع خيالها يوماً باستراتيجييها ومفكريها وعلمائها وسكانها لاحتمال ضربة من هذا النوع حتى ممن يمتلكون ناصية القوه والكراهة لأمريكا و حتى لو لم يصب البيت الأبيض أو طائرة الرئيس فرموز القوه الأمريكية هي من تعرض للهجوم. الرمز السياسي حطم تحطيماً مثلما حطم الرمز الاقتصادي ومثلما حطم الرمز العسكري فمن يجرؤ؟ وما هي مصلحته؟ أية إهانة هذه التي تلقاها الأمريكيون؟ كيف وبأي مقياس وبأي معيار ولأي هدف تحطم الهيبة التي ما بعدها ولا قبلها هيبة؟ فما الذي يستأهل كل هذا العنف الذي أودى بعشرات الآلاف من القتلى والجرحى ومئات الملايين من المنكوبين في عنفوانهم وكبريائهم؟ من يجرؤ على توجيه إهانة بهذا الحجم وبهذا النوع لرأس الحضارة الغربية؟ من المعني بتدمير الإنسان الأخير؟ هل هو الإنسان الجديد؟ ومن هو؟ أم هو بداية لتأريخ جديد؟ ومختلف؟
في ذات اليوم، وقبل أن يستفق أحد من الصدمة وقبل أن يطرح أحد سؤال جدي أو تساؤل رصين وقبل أن تتوفر للولايات المتحدة أو أي طرف أخر وقبل أن ينهار البرجين ودون أن يعلن أي طرف مسؤليته حتى كتابة هذا المقال اعتبرت الولايات المتحدة والمؤسسات الأمنية والإعلامية أسامة بن لادن زعيم ما بات يطلق عليه تنظيم القاعدة في أفغانستان المشبوه الأول، وما لبثت اللهجة أن تصاعدت إلى مستوى الاتهام لا الاشتباه فحسب. وباضطراد أخذت الشكوك والاتهامات تطال أفغانستان كحاضنة للإرهاب إلى أن انفرط العقد ليصيب الحركات والمؤسسات الإسلامية في العالم ثم الدول العربية والإسلامية وصولاً الى الإسلام ذاته المستهدف الحقيقي بدليل أن الجالية العربية الإسلامية في أمريكا بدت وكأنها فاقدة لحق المواطنة وحدها دون غيرها من أمم الأرض في أمريكا؛ فلأنها عربيه ولأنها إسلامية باتت من المستهدفين وممن يوصفوا بالإرهاب بين ليلة وضحاها. ومن جهتها شرعت وسائل الإعلام في شتى أنحاء العالم في حملة تحريض وكراهية ضد الإسلام والمسلمين والجاليات الإسلامية والعربية والشرق أوسطية وبدأت الأجهزه الأمنية من جهتها في البحث عن أدوات بن لادن الذين نفذوا الهجمات فاعتبر إرهابياً:
• كل عربي أو مسلم كان على متن الطائرات المهاجمة.
• كل شخص له علاقة بالمتهمين الضحايا.
• كل من درب أو درس الطيران لأي من الضحايا هو مشبوه.
والطريف في الحملة أنها استندت إلى بغض وكره أمريكي أكثر مما استندت الى حقائق أمنية والدليل على ذلك أن عدداً لا بأس به ممن أتهموا تبين أنهم في عداد الأموات بل أن بعض الضحايا من الركاب العرب ثبت أنهم على قيد الحياة والأظرف من ذلك أن الحملة تركزت على عرب ذوي جنسيات خليجية لا سيما من السعودية والإمارات بوصفها فرائس سهلة وثمينه بإيماءات محتملة وجشعة لمن سيتحملون المسؤولية والتعويض عن الخسائر.
المهم في الحملة أنها لم تبق ولم تذر لا سيما ضد عرب أمريكا الذين ذاقوا مرارة العنصرية وكأنهم ليسوا من النسيج الاجتماعي التاريخي في أمريكا وكأنهم حضروا بالأمس فقط لتهديد الحرية والديمقراطية الأمريكية. ومن المؤلم لعرب أمريكا حقاً أنهم هم الذين أنجحوا الجمهوريين في الانتخابات الرئاسية الأخيرة والتي فاز بها جورج بوش الإبن بفارق ضئيل جداً من الأصوات على خصمه الديمقراطي آل غور. هذه الإدارة التي حمولوها الى قمة الهرم السياسي هي ذاتها التي أقعدتهم في قاع السلم الاجتماعي الأمريكي ويا لها من مفارقة.
في هذا الجو المملوء بالكراهية والعنصرية أعلنت الولايات المتحدة عن عزمها تشكيل تحالف دولي لشن الحرب على الإرهاب والإرهابين في العالم. إعلان على لسان الرئيس الأمريكي مصحوب بالتهديد والوعيد لمن يستنكف عن تأييد الحمله ودعمها " إما ضد الإرهاب أو معه " صيغة إرهابية صارخة تشرع العدوان والاحتلال وانتهاك حقوق الناس وتتنكر امام العالم اجمع لحق الشعوب في التحرر من الاستعمار معتبرة ان الطموحات الوطنية لا تبرر الارهاب وانه لا فرق بين ارهابي جيد وارهابي سيئ، صيغة اقترحت الولايات المتحدة على أوربا تسميتها بـ " الحرب العالمية الثالثة " إلا أنها رفضت خشية أن تؤدي الى صدام فعلي بين الحضارات لن تكون الولايات المتحدة مسرحه بقدر ما ستكون أوروبا المطلة على بلاد العرب والمسلمين. فنادى الرئيس الأمريكي بحرب صليبية مما أثار زوبعة ورعباً في العالم الإسلامي والعربي حيث غدا الأمر مكشوفاً ثم تراجع الرئيس الأمريكي دبلوماسياً بصيغة زلة لسان مألوفة بالعرف الدبلوماسي بيد أن أثارها لم ولن تمحي من عقول العرب والمسلمين، وأخيراً أطلق على الحملة اسم " العدالة اللامتناهية " أو بترجمة أخرى بـ " العدالة المطلقة " وبالرغم من معارضة المسلمين للتسمية كون العدالة المطلقة بيد الله عز وجل إلا أن الوقت لم يطل حتى حشدت الأساطيل والبوارج الحربية وحاملات الطائرات وبدأ الحديث عن حرب قد تمتد لعشر سنوات تشتمل فضلاً عن الآلة العسكرية برمتها شتى الضغوط الاقتصادية والسياسية والاستخبارية واستعمال حتى " الأساليب القذرة " بما فيها الاغتيالات والحروب الجرثومية والكيميائية.
ما هو الإرهاب؟ ومن هم الإرهابيون؟
إذا تساءلنا عن ماهية الإرهاب وهوية الإرهابي فإن أوضح ما قيل في هذا السياق هو غياب أي تعريف للإرهابي أو الإرهاب من أية جهة كانت سواء دول، منظمات، جماعات، أفراد، فلا وجود لأي تعريف يحظى بإجماع أو حتى يقترب لأن يكون مقبولاً على المستوى العالمي، وبالتالي لما تعلن الولايات المتحدة حربا على الإرهاب فإننا بصدد عدو هلامي غير محدد المعالم أو الخصائص أو المعايير أو الصفات أو المحتوى، وكل ما لدى الولايات المتحدة مجرد حادثة أو حوادث تطالها هي أكثر مما تطال غيرها وتبني عليها سياستها لجر العالم من خلفها في النهاية لمواجهة شبح. لهذا كانت مصر هي الو حيده التي طالبت بوجوب عقد مؤتمر دولي في إطار الأمم المتحدة لتحديد مفهوم الإرهاب وسبل مكافحته ومواجهته بيد أن الرغبة المصرية لما تزال في وادٍ عميق من الأذن الأمريكية وحتى العالمية ولو أنها تحظى بالاحترام والتقدير. ويبقى السؤال مفتوحاً: لماذا تصر الولايات المتحدة على اعتقال المفهوم فى دائرة العقل الأمريكي؟
ثمة تفسيرين من حيث البدء:
الأول: إن دعوة أمريكا الى تحديد لمفهوم الإرهاب تعني في الواقع دعوتها الى تحديد قائمة لا تنتهي من إعادة النظر وهذا مستحيل كون أمريكا تبحث، كما يروج البعض عن انتقام سريع يرد لها هيبتها ويستجيب لطموحات ورغبة المجتمع الأمريكي. والواقع ان السبب الجوهري هو أن إسرائيل، إن قبلت أمريكا بالدعوة، ستكون من بين أعضاء القائمة. لذا فالدعوه محرجة لأمريكا بل خطيرة وربما غير مقبولة أبداً ومن المؤكد أن المصريين يعلمون جيداً نهاية دعوتهم ولهذا ما أن بدأت عملية القصف ضد أفغانستان حتى سارع المصريون الى تجديد دعوتهم لمؤتمر دولي حول الإرهاب بنفس الوقت الذي يتفهمون فيه الرد الأمريكي.
الثاني: إن تضمين مفهوم الإرهاب محتوى شبحيا سيزود الاميركان بمرونة في توجيه الاتهامات والصواريخ والتهديدات لمن تشاء وفي أي وقت تشاء. لهذا أمكن لأمريكا أن توجه سياستها بوضع 60 دولة كأهداف محتملة لحملتها العسكرية دون أن يحول ذلك بين أميركا وترشيح دول أخرى أو انتزاعها من قوائم الإرهاب وكأن إسرائيل طبقا لهذا المفهوم ستكون مرشحة كهدف وإن على المستوى النظري حتى الآن!
في كلا التفسيرين بدا تحييد إسرائيل وفي كلاهما ايضا ظل الهدف شبحا، وإذا اعتمدنا المفهوم الليبي الذي ورد على لسان الرئيس معمر القذافي بأن الإرهاب لا يعدو كونه فكرة فكما أنه من المستحيل ملاحقة الفكرة فمن المستحيل ايضا القضاء عليها وفي مثل هذه الحالة تصبح الحرب ضد الإرهاب حربا لا متناهية تماما مثلما هو عنوان الحملة الأميركية بـ " العدالة اللامتناهية" وكذا الأمر فيما يتعلق بأدوات الحرب ولنا أن نتصور حالة الرعب في حرب قد تستخدم فيها شتى أنواع الأسلحة الفتاكة بلا نهاية أو رادع، وفقط في حالة كهذه يمكن أن نفهم تصريح الزعيم الكوبي عشية اندلاع الحملة على أفغانستان بأنها ستكون مجزرة بشرية أكثر مما هي حملة لمكافحة الإرهاب. وعلى العكس من ذلك لو تصورنا محتوى أمريكيا محدد المعالم للإرهاب غير الغموض والهلامية لتوجب على الولايات المتحدة أن تحدد الهدف والعدو بحيث تسهل ملاحقته في حرب لها بداية ونهاية وسط إجماع دولي يبرر ما تقوم به أميركا بما انه مستند للقانون الدولي وإلى الشرعية الدولية وليس إلى الهيمنة والقوة وفي هذا السياق ايضا يبدو من المثير أن يعلن الرئيس الليبي عن تأييده لحق الرد الأمريكي دون العودة لأية مؤسسة دولية ودون استشارة أحد وكأنها شريعة غاب فمن يحمي حقوق الدول الصغيرة من غطرسة الدول الكبرى والإرهاب الدولي المنظم؟ ألم تكن ليبيا إحدى ضحاياه؟ الفاضح في الأمر أن معالجة أميركا لمسألة إقامة التحالف الدولي المناهض للإرهاب انه بني صراحة ومن قمة الهرم السياسي على مبدأي الهيمنة والقوة وإلا كيف نفسر موقف الرئيس الأميركي وهو يقف مخاطبا العالم بأسره " إما أن تكونوا هنا أو تكونوا مع الإرهاب "؟
على المستوى القانوني تحول بن لادن وأفغانستان من مشتبه بهم إلى متهمين كما سبقت الإشارة. والواقع أن لا الزعيم الليبي ولا كافة زعماء العالم تسلموا دليلا واحد يشير إلى تورط المتهمين، بل أن كل ما جمع من أدلة لا يرقى إلى مجرد رفع دعوى ضد المتهمين. فإن كانت كل الشرائع الدولية قد بنيت على خصائص التجريد والعمومية أي عدم خضوعها لالذاتية والأهواء والخصوصية فلا شك أن القاعدة المعيارية الصلبة صحيحة في كل زمان ومكان " المتهم بريء حتى تثبت إدانته " وعلى هذا الأساس نتساءل: ما مدى شرعية ما تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية في أفغانستان؟ هل هو شيء آخر غير الإرهاب والقهر؟ إذا افترضنا حسن النية فما يجري ضد أفغانستان لايمت إلى الشرعية الدولية بأية صلة ولا حتى إلى القوانين الدولية والمحلية بما أن دليلا واحدا لم يقدم قط ضد بن لادن. والأسوأ من هذا أن الزعم بإبقاء الأدلة طي الكتمان ليس عملا أو إجراء قانونيا بكل المعايير لأن من طبيعة المحاكمات العادلة العلنية وليس السرية لا سيما إذا كانت تهم العامة من الناس فكيف إذا تعلق الأمر بمصير البشرية؟ ثم لأنه لا وجود ولا سابقة لدليل سري يسمح باتخاذ إجراء علني بضخامة ما حصل وما يجري في أفغانستان. فبأي حق ومعيار تهاجم أعظم دولة شعب من أفقر شعوب الأرض بذريعة دلائل سرية؟ ما الذي يمنع الولايات المتحدة من كشف الأدلة أمام الرأي العام المحلي والدولي؟ وما الذي يمنعها من معاقبة بن لادن وغيره إن كانت تملك فعلا أدلة كافية لإدانته؟ لهذا السبب وغيره فإن ما تقوم به أميركا في أفغانستان هو عمل يرقى إلى مستوى الإرهاب بامتياز إلا إذا قدمت الولايات المتحدة ما يخالف ذلك. أما ما يتعلق بتصريحات بن لادن عشية الهجوم على أفغانستان فهي تدخل في إطار الحرب النفسية على الصعيد الإعلامي ولا ترقى ابدا، كما يزعم البعض أو يرغب، إلى مستوى الاعتراف، فثمة فارق كبير بين الإقرار بالمسئولية الواضحة عما جرى في نيويورك و واشنطن وبين الرضى النفسي عن النتائج وإلا لاعتبر كل من سرته الهجمات مسئولا عنها، هذا فضلا عن تصريحات بن لادن الأخيرة التي نقلتها فضائيات الجزيرة القطرية والتي نفى فيها وجود أي دليل بيد الولايات المتحدة يدين أفغانستان وشعبها المظلومين.
بين الإرهاب والمقاومة: عرب شامتون، عرب مرعوبون وعرب غاضبون
وكلهم متهمون
منذ اللحظات الأولى لهجمات الثلاثاء و ورود اسم أسامه بن لادن كمشبوه أول في الهجمات شعر العرب أولا والمسلمون ثانيا بأنهم المتهمون الأول. والحقيقة أن العرب اعتادوا على تلقي الاتهامات منذ زمن، فتوجيه الاتهامات للعرب والمسلمين عامة هي مسألة ذات أصالة تاريخية وليست وليدة ثلاثاء سبتمبر، ذلك أن العرب في واقع الأمر هم ند حضاري للعالم ليس في إطار العروبة كقومية بل في إطار الإسلام كدعوة لذا فسواء كان للعرب ضلع في تفجيرات نيويورك وواشنطن أم لا فهم متهمون بحكم الندية. وهكذا، وفي هذا السياق، سارعت الدول والحكومات العربية خاصة والإسلامية عامة إلى إدانة الهجمات و استنكارها بأعلى الأصوات. لا بل أن الأنظمة السياسية العربية انتابتها حالة من الفزع الشديد بانتظار ما ستتخذه الولايات المتحدة من إجراءات مضادة في إطار الحرب المعلنة على الإرهاب حتى انها عجزت عن عقد قمة عربية لمواجهة لحظة مصيرية من هذا النوع، بل أنها عجزت عن عقد اجتماع على مستوى وزراء الخارجية العرب أو وزراء الإعلام وانبرت مصر وحدها في التعبير عن رغبتها والتحدث باسم العرب داعية إلى عقد قمة دولية لمكافحة الإرهاب في محاولة منها لجمع شتات العرب أو احتواء أي رد سريع وغير محسوب للإدارة الأمريكية. ومن جهتها استنفرت الفضائيات العربية آلتها الإعلامية لتدق إحداها " ناقوس الخطر " ANN " وثانية تحذر من " أمريكاـ الرد، الحرب " وثالثة تتابع " أولى حروب القرن " وهلم جرا. فما هي أقوال المتهمين؟
أولاً: على مستوى الحكم
خشي النظام السياسي العربي منفردا أو مجتمعا من ردود فعل عشوائية تؤدي بالمحصلة إلى إثارة التؤتر والنزاعات المحلية وبالتالي إثارة الشارع المتحفز أصلا لأية فرصة تمكنه من الانقضاض على مصالح الولايات المتحدة والغرب عموما، بل وعلى رموز التبعية والانحطاط العربي والذي كانت الولايات المتحدة راعيته على مدار عقود من الزمان. هذا من جهة، ومن جهة أخرى ثمة مصالح عربية لا يمكن التنازل عنها حتى لو هدمت واشنطن على رأس من فيها. وأولى هذه المصالح هي قضايا الصراع العربي - الإسرائيلي وجوهره القضية الفلسطينية. ولم يكن المقترح المصري لقمة دولية حول الإرهاب إلا بهدف تجنب الخلط بين المقاومة والإرهاب باعتبار الأولى وسيلة مشروعة للتحرر من الاستعمار تقرها الشرعية الدولية، لذا فإن انضمام العرب إلى تحالف دولي مناهض للإرهاب يترتب عليه واحد من اثنين إما الاعتراف بفروق بين الإرهاب والمقاومة وإما حل القضية الفلسطينية وإجبار إسرائيل على الانسحاب من جميع الأراضي العربية المحتلة ودون ذلك سيكون على الأنظمة السياسية العربية أن تلعب بنار قد تحرقها وتحرق من معها، فالانضمام إلى تحالف دولي مناهض للإرهاب يعني:
• العمل ضد المصالح الذاتية حتى لو استثنيت إسرائيل من الانضمام للتحالف.
• الاستجابة للمطالب الأمريكية بلا حدود.
• اعتبار كل حركة مقاومة ضد إسرائيل والوجود الأجنبي في المنطقة العربية وكل حزب وطني معادي لإسرائيل وكل جمعية خيرية أو إغاثة أو مركز بحث أو شخصية وطنية شكل من أشكال الإرهاب.
• الانجرار إلى سياسة تصفية الخصوم والحسابات محليا وإطلاق الفتنة ومبرراتها من عقالها.
• توقع انقسامات اجتماعية ودينية وطائفية وعرقية.
• تدخل سافر في الدولة والمجتمع على مختلف المستويات مما يعني أن السيادة والأمن باتا في مهب الريح.
• توقع رسم جديد للجغرافية السياسية بما يعمق الحالة الفسيفسائية.
ولنا أن نتوقع عشرات الآثار المدمرة فيما لو تنساق الدول العربية إلى مثل هذا التحالف بلا حساب أو شروط، ومع ذلك نجد كل الزعامات العربية عدا العراق قد عبرت عن إدانة صريحة للإرهاب، وهي منساقة بشكل أو بآخر خلف الولايات المتحدة، انسياق مغلفا بالقلق والتوتر والحذر وحتى الرعب من الآتي، انسياقا ما زال يحتفظ بتحفظاته وإن بدت متفاوتة من دولة لأخرى، والمدهش أن بعض الرسميين العرب قبل الأطروحة الأمريكية بلا تحفظ.
ثانياً: على مستوى الشارع
عبر الناس عن شماتة صريحة لما تعرضت له الولايات المتحدة بيد أن الشماتة كموقف شعبي، وهذا ما يلفت الانتباه، بقدر ما تنطوي على وعي لم تكن موجهة ضد المواطن الأمريكي ولا ضد المجتمع الأمريكي ولا حتى ضد الحكومة الأمريكية، وهذه مسألة منطقية فالحكومات الأمريكية تتعاقب، وفي واقع الأمر فإن الموقف الشعبي كان موجها في الصميم ضد السياسات الأمريكية الظالمة ليس فيما يتعلق بالقضايا العربية عامة والقضية الفلسطينية على وجه الخصوص بل وضد الغطرسة الأمريكية التي مورست بلا رادع أو مسئولية وطالت حتى دول متقدمة كالصين وقضايا البيئة والرق أخيرا في مؤتمر ديربان لمكافحة العنصرية. فالذاكرة الجماعية للشعوب لا تخلو يوما من سجل أمريكي جديد في انتهاك كرامة وحريات وحقوق الإنسان وسياسة التمييز العنصري ودعم الأنظمة الديكتاتورية واستخدام معايير مزدوجة ومثلثة ومربعة تلائم المصالح الأمريكية وتزيد من كراهية الشعوب لأمريكا. إن أحدا من الشعوب لن يستطع أن يفسر الدعم الأمريكي اللامحدود لإسرائيل ونظام بينوشيه الدموي والقمعي في تشيلي أو للجنرال مانويل نورييغا في بنما الذي كان صنيعة الولايات المتحدة بامتياز ثم انقلبت عليه لمطالبته بتأميم قناة بنما في أعقاب انتهاء العقد الموقع بين بلاده والولايات المتحدة، بيد أنه لم يفلت من العقاب والاتهام بأنه ديكتاتوري والرجل المسئول عن ترويج تجارة المخدرات في الولايات المتحدة، أو من القصف الأمريكي لليبيا بحجة اشتراكها في تفجير ملهى يرتاده العسكريون الأمريكيون في برلين في ثم ثبت بطلان الدليل قانونيا أو تحطيم العراق وحصاره دون مبرر وموت أطفاله وتلويث مياهه وقصفه بقنابل محملة باليورانيوم المنضب ... قائمة طويلة لم تخلف في ذاكرة الناس سوى البغض والكره ضد السياسات الأمريكية وغرور القوة. شماتة وإن بدت في الظاهر ضد الولايات المتحدة أحيانا إلا أنها ضد السياسة الأمريكية في العمق. ليست هذه مغالاة فالإسلام يأبى على المسلم أن يشمت بميت لأن الله عز وجل أذل الإنسان في الجوع وقهره بالموت والمسلم كغيره من البشر ليس مخلدا وليس بمنأى عن الموت القاهر.
ثالثا: العرب الغاضبون، عرب المصالح
أطلق البعض على هذه الشريحة تسمية " الحزب العربي الصهيوني " تيمنا بما خلفته اتفاقات أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل أو تسمية " الحزب العربي الأمريكي " تيمنا بمخلفات حرب الخليج الثانية. وهؤلاء متواجدون بآرائهم في الصحف والمجلات والإذاعات والفضائيات والمؤتمرات والندوات الدولية. وما يطرحونه لا يخرج عن أمرين:
• سعي لوقف كافة أشكال المقاومة المسلحة ضد إسرائيل وقصر الصراع على التفاوض والإعلام بغض النظر عن حقائق الأمور وواقع الحال، أما تاريخهم فينتمي إلى اليسار العربي غالبا لذا نجدهم انتقلوا من النقيض إلى النقيض حتى أنهم تصالحوا مع أعدائهم السابقين مصالحة تلفت الانتباه والحقيقة انه لا غرابة في ذلك بما أنهم يدافعون باستماتة عن التطبيع مع إسرائيل.
• بما أن غالبيتهم من اليسار فهم على الأقل علمانيون حتى النخاع إن لم يكونوا ملحدين، لذا ترى همهم أكبر كلما تعلق الأمر بالجماعات الإسلامية اوالمنظمات الخيرية ذات الطابع الإسلامي، وقد وفرت لهم أجواء ما بعد أوسلو حتى انتفاضة الأقصى مناخا خصبا للمساس بالدين والتدين فجاهروا بحرب شعواء ضد الحركات الإسلامية عموما والفلسطينية خصوصا، بل أن كتابات بعضهم تعرضت للإسلام كعقيدة وكنمط حياة وطموح في السلطة، وهاهم قد عادوا بعد ان افرجت عنهم هجمات نيويورك وواشنطن.
أحد هؤلاء يعمل أستاذ في معهد الدفاع الأمريكي بواشنطن كتب مقالا يحمل فيه على العرب عنونه بـ " بن لاكن " وفيه يعيب على العرب موقفهم غير الحاسم من الإرهاب، فهم أدانوا الإرهاب بصيغة " بن لاكن " وبدلا من إدانة صريحة للإرهاب بوصفه إرهاب جاءت الإدانة مشروطة وبدا حالهم يقول: نعم ولكن بشروط. هذه الصيغة من الانتقاد للموقف العربي هي ذات الصيغة التي عبرت عنها مارجريت تاتشر الرئيسة السابقة للحكومة البريطانية الغابرة التي زعمت أن موقف العرب المدين للإرهاب لم يكن كافيا. ومن الواضح أن هذا الرجل وأمثاله لم يفكر بأكثر من مصالحه لأنه لو فكر بمعنى الإدانة وما يترتب عليها لما تحدث عن عرب الـ " بن لا كن ". فالولايات المتحدة الأمريكية وعلى لسان رئيسها لم تأخذ في الاعتبار إلا مصالحها ومصالح حامياتها في الفرز المريع الذي قدمه جورج بوش " أما معنا أو مع الإرهاب " بلا أي أمل في خيار ثالث يسمح بإدانة صريحة وبنفس الوقت يحفظ حقوق ومصالح الآخرين. فمن من الدول العربية نجا من الإرهاب على مر عقود الصراع مع إسرائيل ليستنكف عن إدانة الإرهاب أو يقف موقفا محايدا منه؟ وبأي منطق تعتبر إدانة الإرهاب منقوصة إذا قورنت بمطالب حقوقية تساهم في الحد من الإرهاب إن لم يكن اقتلاعه من منطقة خطرة كالشرق الأوسط؟ ثم أليست الإدانة غير المشروطة هي بحد ذاتها شرطا؟ الا يعني هذا ان امريكا باتت في صف " بن لاكن "؟
وفي واقع الأمر يمكن للعرب أن يتفاعلوا مع بعض الشروط الأمريكية أو المطالب، وهو ما يحصل حاليا، ولكن الاندفاع خلف الولايات المتحدة في إدانة غير محسوبة العواقب سيترتب عليها اعتقالات وتسليم لأفراد ومحاكمات أمريكية لموطنين آمنين وإغلاق لمؤسسات أو محاربة لأحزاب وحتى لمشاعر وطنية وفتح لحسابات بنكية ومصرفية ولسجلات استخبارية وطنية وتنصت ورصد واغتيالات وتجنيد لعملاء و لاشك أن القائمة ستطول والأخطر من ذلك أن مفهوم الإرهاب غير محدد إلا في العقلية الأمريكية، ألا يعني هذا أن السيادة الوطنية باتت في مهب الريح؟ وأن المجتمع بات مغزوا في أعماقه؟ وأننا فعلا أمام حرب من نوع جديد كما يصرح الأمريكيون بالضبط؟ ألا يعني هذا أن كل فرد أو جماعة أو مؤسسة سيكون طبقا لمعيار أمريكي ما هو إرهابي أو مشروع إرهابي؟
ربما لو لم يكن ثمة قضايا عربية عالقة منذ زمن بفعل طول اليد الأمريكية لما وجد العرب غضاضة في انضمامهم للحملة الأمريكية. ولكن ليعذرنا المستر " بن لاكن " فما بين أمريكا والعرب هو أزمة ثقة متأصلة وليست شروطا عابرة ولا ضير لو تأكد من ذلك بفحص علاقته بالأمريكيين بعد الثلاثاء المشهور.
الجمرة الخبيثة وبراءة بن لادن
تسمى هذه الجرثومة باللغة الانجليزية بالـ Anthrax وهى موجودة في الطبيعة لا سيما في المناطق الحرجية والمراعي والحقول حتى ان الرعاة يعرفونها وفي صيغتها الطبيعية تصيب الحيوانات بالعدوى بيد انها ليست جرثومة وبائية اذ لا تنتقل إلى الانسان بالعدوى وبالتالي لا تشكل خطرا على الانسان اللهم الا اذا تناولها الانسان من خلال اللحوم وهو امر نادر وابرز سماتها انها لا تختفي تحت اية ظروف جوية. ويمكن تحضيرها ميكروبيا في المختبر المتخصص على نوعين احدهما يصيب الجلد وهو اقل خطر على الانسان اذا ما عو لجت بمضادات حيوية خاصة، غير ان النوع الاخر الذي يقع استنشاقه في الهواء يمثل خطرا قاتلا في ظرف 48 ساعة لانه يستقر في الرئة. وحاليا ًتوجد نحو 45 دولة تحتفظ بمكيروب الجمرة الخبيثة. الا ان تحضيرها بالغ التعقيد، فعلى مستوى الخبراء لا يمكن تحضيرها الا من قبل طالب دكتوراه على الاقل في العلوم الجرثومية بشرط ان يتوفر له مختبر على درجة عالية جداً من التجهيزات المعملية.
بعيد هجمات الثلاثاء بأيام او بضعة اسابيع ظهرت اولى الاصابات بالميكروب القاتل ليصيب اثنين من الصحفيين في احدى اكبر المؤسسات الاعلامية الامريكية ودون سابق انذار ضخمت المسألة على نحو غير مسبوق لتصب حمم الرعب والهلع على رؤوس الأمريكيين حتى غدا الامر وكانه حرب بيولوجية تتعرض لها الولايات المتحدة. هذه الحرب اداتها رسالة بريدية او طرود تحمل مسحوقاً ابيضا يصيب الفرد اما باللمس واما بالاستنشاق ولعل المفارقة العجيبة في هذه المسألة، وفي واقع الامر ثمة اكثر من مفارقة، ان الهلع اصاب المجتمع الامريكي في حين ان الرسائل وجهت في الغالب الى المراكز الحيوية الامريكية كمبنى الكونغرس والبنتاغون والمخابرات المركزية فضلاً عن كبار الزعماء والشخصيات الامريكية والمؤسسات الكبرى وبما أن البريد هو وسيلة النقل وحتى لا تبدو ثمة مفارقات انهالت البرقيات الاعلامية من كل صوب وحدب في المعمورة ناقلة لنا اخبار العثور على رسائل تحتوي مسحوقا ابيضا وجدت في بعض السفارات ومكاتب المستشار الالماني غيرهارد شرودر والحكومة البريطانية وصولا الى صحيفة معاريف الاسرائيلية ثم مكاتب الحكومة الاسرائيلية الى اخر القائمة.
السؤال: من الفاعل؟ وهل تتعرض الولايات المتحدة لحرب جرثومية؟ ولماذا تضخم المسألة؟ بل لماذا ظهرت مثل هذه القضية الان؟
منذ اللحظة الأولى لثلاثاء نيويورك وواشنطن كان المتهم واضحا بلا مقدمات تبعه العرب والمسلمون. ومنذ اللحظة الاولى لظهور الميكروب في الولايات المتحدة اولا ثم اوروبا الغربية ثانيا، وهذه مفارقة ثانية بقي المتهم للان مجهولاً. في الحادثة الاولى كان بن لادن متهماً وفي الحادثة الثانية بات بن لادن برئيا وليس له علاقة لا هو ولا تنظيم القاعدة بالميكروب لا من قريب ولا من بعيد وكأن لسان حال الولايات المتحدة يقول ان الاجهزة الامنية نجحت في كشف المتهم في حوادث الثلاثاء بينما في مسالة الميكروب نجحت في تبرئة بن لادن، فمن الذي يطلق الاتهامات؟ ومن الذي يحدد الاهداف والاعداء وعلى اية اسس ومعايير؟ بل من هو المسئول عن ادارة هذه المفارقات؟ ومن هو المستهدف حقيقة؟ ولماذا الغموض؟ لا احد يعرف ولماذا تعقب الجمرة الخبيثة حادثة الثلاثاء دون ان يكون لها علاقة بالارهاب؟ لا احد يعرف. اما التصريحات الامريكية فطريفة ومثيرة للغاية والتفاعل الواروبي والاسرائيلي والحليف معها غريبا، اما الموقف العربي فهو محير بل ميت. والسؤال حول من يعلم ومن لا يعلم ليس معروفاً له جواب ولماذا تصر الولايات المتحدة على عدم وجود اية علاقة لانتشار الميكروب باحداث الثلاثاء مسالة مثيرة غاية الاثارة ولماذا تصر على عدم وجود اية ادلة تدين بن لادن وتنفي بشدة اية علاقة له ولتنظيمة مسالة تبعث على الدهشة في حين انه في الحادثتين لا مفر من وجود فاعل. فمن هو؟ هل عجزت الولايات المتحدة وحلفاتها الغربين في اقصى حالات استنفارهم التاريخية عن مراقبة مؤسسات البريد الناقل الوحيد للرسائل الملغمة بالميكروب؟
زعمت اسرائيل انها تسلمت رسالة تحتوى على مسحوق الجمرة الخبيثة وقد كتب على الوجه الاخر للمغلف البريدي " مع تحياتنا من افغانستان ". اما البريد الذي تسلم الرسالة ونقلها فليس معروفا، هذا في الوقت الذي تنفي فيه الولايات المتحدة اية علاقة لاسامة بن لادن بالقضية، وفي البرازيل اوقفت سلطات الامن رحلة جوية متجهة نحو مدينة برلين الالمانية لان الطائرة تحمل حقيبة سوداء تبين انها تحتوي على مسحوق ميكروبي غير ان السلطات الامنية لم تقل لنا من هو صاحب الحقيبة الذي ربما سافر على متن الطائرة ذاتها او غيرها في وقت لاحق طالما ان هويته لم تكشف، اما المؤسسات ومكاتب الزعماء فبدت خالية من اية مراقبة او كاميرات تصوير او حراسات امنية او استنفار من اى نوع كان واذا ما تابعنا بقليل من الاهتمام والتركيز اخبار الجمرة الخبيثة سنكتشف اننا اما ازاء شبح جديد من الارهاب واما ازاء خبث سياسي واعلامي هدفه شن حرب نفسية لا اكثر، ولكن ضد من؟
فماذا يعني التصريح الشهير للرئيس الامريكي بـ " أن الوضع تحت السيطرة "؟ ولماذا انفجر الرئيس الكوبي فيدل كاسترو وخرج عن صمته مدينا بصيغة استنكارية حملة الرعب في الولايات المتحدة ومشيرا بالتحديد الى ان نزلة برد اخطر على الانسان من ميكروب الجمرة الخبيثة، واخيرا يصرح مسئول امريكي بعد مضي نحو ثلاثة اسابيع على انتشار الوباء غير المعدي وبوضوح لا لبس فيه يرجح ان يكون الميكروب من صنع متطرفين امريكيين في قلب الولايات المتحدة. هكذا اذن الفاعلون امريكيون وليسوا عربا ولا مسلمون ولا افارقة ولا اسيويون. هل يشتم من التصريح انسحابا امريكيا من ورطة ليست على البال ولا الخاطر؟ هل قصة الوباء مؤامرة؟ ام حقيقة؟ من الواضح ان تصريح الرئيس الامريكي بان الوضع تحت السيطرة استهدف هلع المجتمع الامريكي.
في حرب الخليج الثانية جرى تضخيم قوة العراق ليصل الى مرتبة أقوى رابع جيش في العالم، بلع الناس الطعم وتناسوا من هي القوى الكبرى وخيل اليهم ان العراق ياتي قوة بعد الجيوش الامريكية والروسية والبريطانية، فهو ياتي قبل الجيش الفرنسي ولعل الناس يتذكرون الان تصريح اسحاق رابين وزير الدفاع الاسرائيلي حين عاب على فرنسا دعم العراق في حربه ضد ايران حتى خلقت منه قوة تفوق فرنسا ذاتها. خدع الناس بقوة العراق ولم يسال احد من العامة نفسه لماذا لم يهزم العراق ايران طوال ثماني سنوات من الحرب؟ لماذا رفض الايرانيون وقف الحرب في الفترة ما بين 1982 - 1988؟ لاشك ان الولايات المتحدة تدرك ان الخديعة ليست سهلة، ونحن ندرك ان شيئا ما يدبر في الخفاء ونتساءل: هل من المعقول ان تعكف الولايات المتحدة على صياغة خديعة تصيب شعبها بالهلع؟ ربما لا يصل الامر الى هذا الحد ولكنه قد يصل.
الامر الحاسم فيما يجري حتى اللحظة هو الاجابة على السؤال من الفاعل؟ من الفاعل؟ حتى لو احتاجت الولايات المتحدة الى كبش فداء بل الى اكباش فداء يظل السؤال ذاته مطروحاً: من الفاعل؟ لانه اذا لم تقع معرفة الفاعل فلعل تحطيم افغانستان على رأس من فيها لن يمنع من وقوع كارثة اخرى بما ان الفاعل طليق ويراقب ولعله يعمل او انه عازم على مزيد من العمل ولا شك ان الولايات المتحدة ليست من الغباء بحيث تنساق الى العواطف او استرضاء رغبات الرأي العام فثمة كارثة لا مثيل لها وثمة رعب غير مسبوق وثمة تهديد مصيري للولايات المتحدة ما زال يجثم على الصدور وثمة حرب معلنة قد تستمر عشر سنوات او اكثر وربما لفترة طويلة جدا، حرب من نوع جديد لعدو من نوع جديد فهل على الولايات المتحدة ان تلعب بالنار في محاربة اشباح يتربصون بها؟ لماذا ضخم العامل العربي والاسلامي ككبش فداء؟ هل للتغطية على فاعلين آخرين ربما يكونوا محليين؟ هل تسعى الولايات المتحدة الى اصابة عصفورين بحجر؟ مثلاً ضرب القوى الاسلامية من جهة باعتبار الفرصة سانحة وضرب القوى الارهابية الداخلية؟ اذا كان الفاعلون في ميكروب الجمرة الخبيثة من الداخل فما الذي يمنع ان يكونوا هم ذاتهم فعلة حوادث الثلاثاء؟ ومن هي القوى المرشحة لايذاء الولايات المتحدة في عقر دارها وضد اعظم رموزها؟
القوى والجماعات المرشحة للاتهام في الولايات المتحدة
من المعروف ان ا لمجتمع الامريكي شديد التطور والتقدم والتنوع والتعقيد وتكاد وسائل الشر وادواته تطغي على وسائل الخير وادواته كما انها وسائل متوفرة بالايدي، ولانه مجتمع يميل الى العنف واستعمال القوة ولان خيال هوليود برع ايما براعة في بلورة ثقافة العنف الحاد في امريكا بل ان استوديوهات التصوير تبارت في تقديم اشد الافلام السينمائية عنفا فليس غريبا ًابدا ان تكون حوادث الثلاثاء وما تلاها صناعة محلية تحاكي صناعة هوليود ذاتها فمن هي القوى المتحملة لاشاعة دمار هوليودي على شاكلة برجي التجارة ومبنى البنتاغون وغيره؟
أولا: شريحة الماديين:
من المعروف ان المجتمع الامريكي هو مجتمع مادى، سريع، استهلاكي ومغري الا انه باهظ التكاليف لدرجة انه ما من شيئ في الولايات المتحدة بلا ثمن كما انه مجتمع الفرص لذا فالربح والخسارة يمثلان عصب الحياة الامريكية حيث الكسب متاح بنفس القدر المتاح للخسارة. ومع ذلك فثقافة الكسب والخسارة ليست فقط ثقافة المال بل هي اوسع مما يمكن تصوره بحيث لا مناص من ان تنسحب هذه الثقافة بشقيها الكسب والخسارة على الجسد وانما ط التفكير والاخلاق والقيم والكرامة والشهرة والمجد والمستقبل ... الخ. مثلما تنسحب على الترف والفن والرفاهية الاقتصادية والاجتماعية ... الخ بل ان قيم الحداثة برمتها تمثل اصدق تعبير عن هذه الثقافة الرأسمالية في اعظم تجلياتها الحضارية كما ان مثل هذه الثقافة تجد تعبيراتها فيما هو مشروع وما هو غير مشروع، ولا شك ان البنية التحتية للمجتمع الأمريكي تعد اضخم بنية مؤهلة لاحتضان وسائل الكسب المشروع بنفس القدر الذي تحتضن فيه وسائل الكسب غير المشروع ولم تكن الجريمة الدولية المنظمة لتجد لها مقرا افضل من الولايات المتحدة كي تنتعش وتزدهر وهذه مسالة ليست محل خلاف؛ فحسب بعض التخمينات ثمة ما لا يقل عن 35 الف ضحية سنوياً تذهب بفعل الارهاب المحلي الذي تمارسه العصابات سعيا للسيطرة على اسواق الجريمة والنفوذ والسلطة ولنا ان نتخيل حجم هذه الشريحة في الولايات المتحدة والمتصلة بشتى المنظمات والعصابات الإرهابية في العالم وما لهذه من نفوذ واختراقات داخل اعمق النظم الأمنية والسياسية والعسكرية. وفي دولة شديدة التقدم ليس غريبا على جماعات الارهاب الدولي أن تستعمل اعتي وسائل ونظم التكنولوجيا والجاسوسية في العالم. وفي سبيل الكسب ليست هذه الشريحة بمنأى عن ارتكاب افظع الجرائم بلا أي رادع.
ثانيا: شريحة الملحدين:
هي التوأم الشقيق لشريحة الماديين ومع ذلك فهى اشد خطر منها فاذا كانت شريحة الماديين تتوفر على بعض القيم والمعتقدات والرؤى لحاضر جرائمها ومستقبلها والتي قد تمارس نوعا من الضبط والحد من جنوحها الإرهابي فان شريحة الملحدين على العكس من ذلك ليس عندها ما يردعها لا دين ولا قيم ولا مواقف فهى لا تحوز اية معتقدات روحانية، وقيمة الحياة عندها تكمن في اللحظة الراهنة التي تعيشها وبالتالي فما الذي يمكن ان تخسره من ماض لا يهمها او من مستقبل لا تومن به؟ لذا فهى مرشحة للقيام باي عمل للحصول على مبتغاها. والملفت للانتباه ان الإلحاد في الدول الرأسمالية ظاهرة شائعة بيد ان الخطر من الالحاد الراسمالي انه لا يستند الى اى تصور او ايديولوجيا سوى انه انعكاس حاد للطابع المادي الحاد في المجتمع.
ثالثاً: شريحة المؤمنين:
هم التوأم غير الشقيق لشريحة الملحدين والعدو لشريحة الماديين وللمجتمع المادي ولكل قيم الحداثة الراسمالية، ولأنها تعتقد بان المجتمع الامريكي جرد من كل القيم الاخلاقية والانسانية والدينية بتركيزه على المادة، لذا تجد نفسها على قارعة الطريق تدفع ثمن الحياة المادية الزائلة والمعقدة والمؤلمة لاسيما تلك الشرائح الفقيرة التي تعاني شظف العيش والمحرومة من احتياجاتها الضرورية، كما أنها شريحة تحتج على نمط الحياة الامريكية الذي دنس الفرد والمجتمع والدولة والمنغمس في اللذات والرذيلة والموبقات كالزنا والقمار والقتل وربط الفرد بلحظته الراهنة، لذا ينبغي البحث عن وسائل التطهر للتخلص من هذا المجتمع المدنس الظالم والخالي من الرحمة إن لم يكن بالانتحار فبانتظار المسيح المخلص أو بوسائل أخرى لعل تفجيرات نيويورك وواشنطن ليست ببعيدة عنها. كل هذا لتامين مستقبل كريم للاجيال القادمة ولتنقية المجتمع الأمريكي من مظالم الراسمالية المادية ووحشيتها وإيقاظه من غفلته وادارة ظهره لروحانيات الحياة.
مثل هذه الشرائح الثلاثة مرشحة لشن هجمات عنيفة جداً بحسابات مختلفة للكسب، ضد رموز المجتمع الأمريكي وأساطين الرأسمال والقوة ولنا أن نتخيل حال الحضارة الغربية والامريكية على وجه الخصوص من تقدم ومدنية وقوة وحرية وديمقراطية ورفاهية وازدهار وصراع مستميت لتعميم نمط الحياة الأمريكية على شعوب المعمورة من خلال العولمة فيما لو تبين أن متطرف أو مجموعة من متطرفين مجانين أو مخمورين أو ذوي معتقدات صنعتها أمريكا وسياستها هي في الحقيقة من نفذ او يقف وراء هجمات الثلاثاء وهم من يضطلعون بنشر الميكروب القاتل وهم من يخططون لما هو أسوأ. فأية ثقافة يسعى الأمريكيون الى إبتلاء العالم بها؟ بل ماذا يكون قد تبقى من قيم الحداثة أو ما بعد الحداثة التي يتطلعون إليها؟
رابعاً: الصهيونية وإسرائيل والمفسدون في الأرض
يشير سيد قطب في كتابه الشهير " معالم في الطريق " إلى أن الفجوة الحضارية بين الغرب والإسلام تصل إلى نحو 300 عام، ويقول أننا لا نستطيع اللحاق بالغرب، ولأنه يعترف بالحضارة الغربية وتقدمها وفوائد ذلك التقدم للإنسانية، فهو يأمل من المسلمين أن يسعوا جاهدين لتزويد هذه الحضارة ذات الطابع المادي المحض بما ينقصها كونها بالمحصلة حضارة إنسانية. وما ينقصها هو الروحانيات التي من شأنها عقلنة الحضارة الحالية وتليين ماديتها بحيث تصبح مهيأة لتقبل الدعوة الإسلامية. إن ما يدعو له سيد قطب الذي يعتبره الكثير من الإسلاميين مرجع القرن العشرين بالغ الأهمية خلافاً لما يشاع عن سيد قطب من تطرف وتزمت ورغبة في الانعزال نراه يقترب من حضارة غربية سعياً منه على احتوائها والإفادة منها لا تدميرها لأن ما وصلت إليه كسب للإنسانية لا ينبغي التفريط به، هذا رد ممن اعتبر متطرفاً على من تطرفوا وجاهروا بعنصريتهم ضد الإسلام والمسلمين مثل مارغريت تاتشر وجورج بوش وبيرلسكوني رئيس الحكومة الإيطالية.
أما العقيدة الإسلامية فثمة أكثر من 14 خصلة تحذر من اليهود وفي القرآن الكريم لم يذكر قوم على وجه الأرض كما وكيفا مثلما ذكر اليهود سلباً حتى أنهم وصفوا بالمفسدين في الأرض في كامل الكرة الأرضية وليس في الأرض العربية أو الأرض الأمريكية فهل الصهيونية وإسرائيل تقعان خارج دائرة الاتهام الأمريكية؟
نسى الامريكيون تماماً وصية رئيسهم الأسبق جوزيف فرانكلين لما حذر الشعب الامريكي من مخاطر هيمنة اليهود على الحياة السياسية والإقتصادية الامريكية ولكنهم الآن إبتداء من الحادي عشر من سبتمبر لن يستطيعوا التغاضي عن الأخبار المتلاحقة حول دور إسرائيلي محتمل في الهجمات، وثمة شواهد كثيرة على ذلك، بل أن أوضح الدلائل والشواهد هي تلك المتعلقة باليهود الامريكيين وإسرائيل.
ففي خضم الهجمات على برجي التجارة في نيويورك وفي لحظات الاصطدام الأولى لاحظ عملاء المخابرات الامريكية خمسة يهود صهاينة يصرخون ويرقصون في جو إحتفالي على سطح أحد المباني المقابلة للبرجين بينما يصور أحدهم مشاهد الاختلاف وعلى الفور وقع اعتقالهم الا ان القنصلية الاسرائيلية تدخلت وعملت على اطلاق سراحهم. والغرابة في الامر انهم من المفترض ان يكونوا غاضبين وحانقين ومتضامنين مع الدولة والمجتمع الامريكي اللذين لم يتوانا عن دعم اسرائيل واليهود بلا حدود، بل الى حد الفضيحة وتحدي العالم اجمع عشرات المرات في المنظمات الدولية لاسيما في مجلس الامن الذي مل من الفيتو الامريكي ضد القضايا العربية على امتداد عشرات السنين مسجلاً أزيد من 80 قرار نقض أمريكي لمشاريع قرارات تتعلق بالقضية الفلسطينية.
مسألة أخرى تلفت الانتباه لم تحظ بالاهتمام الإعلامي العربي لا كما يجب ولا بالحد الادنى. فعقب الحادث في بضعة ايام نشرت بعض الصحف الأمريكية أخبارا تتعلق بالاسرائيليين العاملين في مكاتب برجي التجارة، ومن بين الاخبار التي وقع تناقلها ان نحو 4000 موظف يعلمون في المبنيين لم يتوجه أي منهم الى عمله يوم الثلاثاء الدامي، ونقلت الاخبار أيضاً أنهم تلقوا تعميماً بعدم التوجه الى العمل. المثير في الأمر أن العطلة اليهودية هي يوم السبت وليس يوم الثلاثاء فلماذا جرى التعتيم على الخبر وتفاصيله؟ ولماذا لم نحصل على تفسير لغياب هؤلاء عن مراكز عملهم في يوم لا هو عطلة رسمية أمريكية ولا هو عطلة يهودية؟ وكيف يتغيب هذا العدد الهائل من الموظفين دون أن يثير الريبة.
في أعقاب حوادث الثلاثاء بقليل شاع بين الناس الرمز Q 33 NY ومحتواه يقع في البرنامج الطباعي word الصادر سنتي 1998 و 2000 م ضمن برنامج الويندوز. والعملية تسير بفتح برنامج الورد وطباعة الرمز أعلاه بالأحرف الكبيرة ثم تظليله بالأسود، ثم فتح قائمة تنسيق وننقر على (خط)
ونختار من قائمة الخطوط النوع wing dings مع تجنب النوع الثاني والثالث عندها سيظهر امامنا الشكل التالي:
ومن الواضح ان الشكل يمكن قراءته بسهولة: طائرات مدنية هاجمت برجي التجارة مخلفة وراءها الموت والتوقيع هو إسرائيل المرموز لها بنجمة داوود السداسية وفي البداية تبادر في أذهان الناس ان هذا الشكل يمثل ادانة بالغة لإسرائيل معتقدين انه ملفا مخفيا. والواقع ان ابسط خبير في برنامج word الورد يدرك أنها عملية مفبركة ويمكن فبركة الكثير منها الا أن الشعور القوي لدى الناس بان إسرائيل وحدها القادرة على تنفيذ هجمات من هذا النوع هو شعور يمكن تفسيره بأكثر من أمر:
• وعي الناس بعجز الحركات التحررية العربية الاسلامية عن تنفيذ هجمات من هذا النوع الغريب بما في ذلك اسامة بن لادن وتنظيم القاعدة.
• ادراك الناس لقوة اسرائيل والصهيونية العالمية وللنفوذ الهائل لها في العالم لاسيما في الولايات المتحدة وهو ماتحتاجه عمليات ضخمة من هذا النوع.
• عدم وجود روادع اخلاقية او دينية او انسانية تعيق اليهود والصهاينة عن ارتكاب ابشع الاعمال في سبيل تحقيق مصالحهما الخاصة، ومثل هذا الامر له شواهد كثيرة في التاريخ القريب وفي هذا السياق وخاصة مايتعلق بالولايات المتحدة يمكن ذكرخيانة الضابط اليهودي جوناثان بولارد الذي عمل لمدة ثماني سنوات في سلاح البحرية الامريكية واستولى على وثائق خطرة جداً سلمها لاسرائيل وقد كشف امره خلال الثمانينات من القرن الماضي وقد بلغت خيانته حداً دفع وزير الدفاع الامريكي آنذاك كاسبار واينبرغر الى القول ان اقل ما يستحقه بولارد هو الشنق.
• يدرك الناس ان عمل بهذه الضخامة لن يجرؤ أي طرف منفذ له على التصريح بمسئوليته عنه ومثل هذه الخصيصة بالذات تتمتع بها أجهزة الامن الاسرائيلية البارعة في اخفاء أي دليل على مسرح الجريمة.
• أخيرا فان العرب والمسلمين كافحوا على امتداد قرن من الصراع العربي الصهيوني وتحملوا شتى انواع القهر والتسلط والاضطهاد لسبب واحد هو استرجاع حقوقهم المغتصبة فبحثوا عن انصاف امريكا واوربا لهم ولم يهدفوا الى الوصول الى حالة الندية مع الولايات المتحدة فضلا عن انهم في اعجز حالاتهم التاريخية بعكس اسرائيل والصهيونية اللتان تمثلان ندا عنيداً ليس للحضارة الراسمالية بل للانسانية جمعاء وهم في واقع الامر ذروة الوحشية الراسمالية في اوج قوتها وغطرستها.
وثمة امرين يلفتان الانتباه حقا الاول هو تصريح بن يامين نتنياهو رئيس الحكومة الاسرائيلة الاسبق الذي نشرته صحيفة السفير اللبنانية بمانشيت عريض في خضم المفاوضات مع السلطة الفلسطينية على تطبيق اتفاق واي ريفر والضغوط الامريكية مهددا بأنه سيحرق واشنطن ان لم توقف الولايات المتحدة ضغوطها على اسرائيل ولنا ان نتساءل: هل نفذت اسرائيل تهديداتها بعد ان فضحت انتفاضة الاقصى جرائمها وأوصلت شارون الى ساحات القضاء الاوربي؟
اما الامر الثاني فهو تصريحات المدير السابق للبرنامج النووي الباكستاني والذي عبر عنها في مقابلة بثتها قناة المنار الفضائية بعد احتجازه من قبل السلطات الباكستانية حيث قال بأننا في باكستان قمنا بجمع حشد من العلماء والخبراء والاكادييميين والمتخصصين من كل حدب وصوب وجمعنا شتى ماتوفر من صور ومعلومات عن هجمات الثلاثاء وأخذنا في معاينتها وتحليلها وتقليب الامر من جميع الاوجه مستعينين بما توفر لنا من معلومات لدى الباكستان فتوصلنا الى نتيجة بالاجماع ان مثل هذه الهجمات لايمكن باي معيار ان تكون من فعل منظمة اوجماعة وبالتالي لا بن لادن ولا تنظيم القاعدة بقادران على تنفيذ هجمات من هذا النوع، وعلى الفور تبادر الى اذهاننا جهاز الموساد الاسرائيلي وهذا الجهاز له خبرة وسوابق بهذا الشأن.
ولاريب ان المسئول الباكستاني يتمتع بقدر هائل من المسئوولية ومثل هذا الرجل لن يغامر باتهام صريح للموساد الاسرائيلي دون ان يكون على قدر كبير من الاطلاع. فتحت مسئوليتة قادت باكستان طوال عشرين عاما وببراعة ودهاء كبيرين مشروع امتلاك اسلحة نووية عى مرأى ومسمع من العالم وفي ساحة مكشوفة تحرم على اية دولة في العالم صنع القنبلة النووية او امتلاكها فكيف بدولة اسلامية معادية لاسرائيل؟
كان على هذا الرجل حمل العبء الضخم في توصيل القنبلة النووية الباكستانية الى بر الامان وعليه فهو مطلع امنيا وسياسيا على خفايا كل المحاولات الاسرائيلية الاستخباراتية والسياسية الهادفة الى تدمير البرنامج النووي الباكستاني كما انه مطلع على كل جرائم اسرائيل بغير هذا الشأن فلماذا لا يمتلك القدرة على تقييم القدرات اللوجستية اللازمة لشن هجمات كالتي ضربت نيويورك وواشنطن؟ ولا عجب ان يصر على ان هجمات الثلاثاء لايمكن ان تحدث او يخطط لها من خارج الولايات المتحدة الامريكية. فالمسالة برايه تحتاج الى معرفة بالمجتمع الامريكي عميقة والى اختراق امني بنيوي كبير جداً في منظومات الاتصال والمعلومات وشتى مواضع البنية التحتية والمعلوماتية ونظم التحكم والمراقبة اما والحال هكذا فان المسئول الباكستاني يتساءل: انى يمكن لتنظيم بدائي ولرجل معزول في براري جبلية كثيفة كجبال أفغانستان ان يخطط ويشرف على تنفيذ هجمات ضخمة من على بعد كالتي تعرضت لها نيويورك وواشنطن؟ والملفت للانتباه انه يقول بأن هذه هي قناعة باكستان حتى على مستوى الحكومة التي لم تعترف بوجود أي دليل ضد بن لادن أو افغانستان فماذا لو صحت قناعة الباكستانيين ومثلهم كثير بتورط حقيقي لاسرائيل والصهيونية؟ واية سيناريوهات محتملة سيلجأ اليها الامريكيون في مواجهة دولة يمكن ان تهدد السلام العالمي لما تمتلكه من اسلحة نووية استراتيجية وأخرى تكتيكية شاءت اقدار السياسة ان تصنعها اسرائيل وياللمفارقة في بريطانيا والولايات المتحدة؟