فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سل هذه» - لأم سلمة - فأخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع ذلك. فقال: يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له» (1).
وهذه الأحاديث تنفي القول بالخصوصية وبخاصة حديث عمر بن أبي سلمة. فلو كان الأمر خاصاً به صلى الله عليه وسلم لم يقل له: «سل هذه» ثم إنه لما قال له عمر: قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر - وإنما يريد عمر بهذا القول خصوصية الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك - قال له: «أما والله، إني لأتقاكم لله» وهذا ينفي تماماً القول بالخصوصية.
وينفي ذلك أيضاً ما رواه مالك في الموطأ: أن عائشة بنت طلحة كانت عند عائشة رضي الله عنها، فدخل عليها زوجها وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، فقالت له عائشة: ما يمنعك أن تدنو من أهلك، فتلاعبها وتقبلها؟ قال: أقبلها وأنا صائم؟ قالت: نعم (2).
وقال الفقهاء في هذه المسألة بالإباحة لمن يكون مالكاً لنفسه دون من لا يأمن الوقوع فيها على تفصيل في ذلك. ولم يقل أحد منهم بالخصوصية (3).
35 - تحريم التكني بكنية النبي صلى الله عليه وسلم
قالوا: ليس لأحد أن يكتني بأبي القاسم سواء كان اسمه محمداً أم لا.
واستدلوا: بما رواه الشيخان عن أنس رضي الله عنه، أن رجلاً دعا بالبقيع: يا أبا القاسم، فالتفت إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لم أعنك، قال: «سموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي» (4).
وعن جابر بن عبد الله قال: ولد لرجل منا غلام فسماه القاسم، فقالت الأنصار: لا نكنيك أبا القاسم ولا ننعمك عيناً، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ولد لي غلام فسميته القاسم، فقالت الأنصار: لا نكنيك أبا القاسم ولا ننعمك عيناً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أحسنت الأنصار، سموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي» (5).
وللعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
قال الشافعي رحمه الله: ليس لأحد أن يكتني بأبي القاسم سواء كان اسمه محمداً أم لا. استدلالاً بأحاديث الباب.
وقال مالك رحمه الله: يجوز التكني بأبي القاسم مطلقاً، لمن اسمه محمد ولغيره وقال: النهي مختص بحياته صلى الله عليه وسلم، لأن سبب النهي أن اليهود تكنوا به، وكانوا ينادون: يا أبا القاسم، فإذا التفت النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: لم نعنِك إظهاراً للإيذاء، وقد زال ذلك المعنى.
(1) () أخرجه مسلم برقم (1108).
(2) () المواهب اللدنية 2/ 614.
(3) () فتح الباري 4/ 152.
(4) () متفق عليه (خ 2121، م 2131).
(5) () متفق عليه (خ 3115، م 2123).