قال ابن الملقن: قلت وفي حسنه نظر، ففيه سالم بن أبي حفصة، وعطية العوفي، وهما ضعيفان جداً؛ شيعيان متهمان. ومقتضى الحديث اشتراك علي رضي الله عنه معه في ذلك، ولم يقل به أحد من العلماء.
وقال إمام الحرمين: هذا الذي قاله صاحب التلخيص هوس، لا ندري من أين قاله؟ ولا إلى أي أصل أسنده، فالوجه القول بتخطئته (1).
25 - تحريم مد العين إلى ما متع به الناس
قالوا: كان يحرم عليه مد العين إلى ما متع به الناس. بدليل قوله تعالى:
﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (2).
وقوله تعالى:
﴿آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ (87) لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (3).
قال ابن الملقن: «نقله الرافعي عن صاحب الإفصاح (4) وجزم به ابن القاص في التلخيص، ولذا جزم به النووي في أصل الروضة» (5).
ومعنى ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ - كما جاء في التفاسير -: أي لا تمدن نظر عينيك، ومد النظر تطويله، وأنه لا يكاد يرده استحساناً للمنظور إليه، وإعجاباً به، وتمنياً أن يكون له، كما فعل نظارة قارون حين قالوا: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾.
ولما كان النظر إلى الزخارف كالمركوز في الطباع، وأن من أبصر شيئاً أحب أن يمد نظره إليه، ويملأ منه عينيه، قال: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾.
ومعنى ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ أي أصنافاً من أصحاب النعيم والغنى.
والذين قالوا بالخصوصية لم يأتوا بدليل على ما ذهبوا إليه. ومن المقرر أن التخصيص لا يثبت إلا بنص.
وما من شك بأن هذا النص القرآني الكريم موجه إلى النبي وأمته، شأنه شأن كل النصوص القرآنية. وسواء أقلنا إن موجب النهي هنا التحريم أم قلنا بالكراهة فهو خطاب لهذه الأمة عن طريق رسولها صلى الله عليه وسلم.
ويؤكد عدم الخصوصية عشرات الأحاديث الصحيحة التي قالها صلى الله عليه وسلم موضحاً حقيقة الدنيا، وداعياً فيها إلى صرف الهمم إلى الآخرة، وما هذه الأحاديث إلا الشرح والبيان لهاتين الآيتين وغيرهما مما هو في معناهما، وكذلك هي بيان لعلة صرف النظر عن زهرة الحياة الدنيا.
(1) () غاية السول ص 181.
(2) () سورة طه، الآية (131).
(3) () سورة الحجر، الآية (87 - 88).
(4) () هو الإمام الحسين بن القاسم الطبري، والإفصاح كتاب له في فروع الشافعية.
(5) () غاية السول ص 140 - 141.