تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إنَّ من مظاهر العدل قبول الحقِّ ممن جاء به، فالعبرةُ بالقولِ لا بالقائل، وفي قصةِ الشيطان مع أبي هريرة- رضي الله عنه- حين وكَّلهُ الرسول- صلى الله عليه وسلم- بحفظِ زكاة رمضان، ومجيءِ الشيطان إليه أكثرَ من مرة، حتى علّمه أن يقرأ آية الكرسي إذا أوى إلى فراشه، وأنَّهُ بذلك يكونُ محفوظاً من اللهِ ولا يقربه شيطانٌ حتى يصبح، في هذه القصة صدَّق الرسول- صلى الله عليه وسلم- القول وإن صدرَ من الشيطان، حيثُ قال: ("أما إنَّه قد صدقك وهو كذوب") (1).

ومن فقه هذا الحديث وفوائده - كما قال ابن حجر رحمه الله - : إنَّ الحكمة قد يتلقّاها الفاجرُ فلا ينتفع بها، وتؤخذُ عنه فينتفعُ بها، وإنَّ الكافرَ قد يصدقُ ببعض ما يصدقُ به المؤمن، ولا يكون بذلك مؤمناً، وبأنَّ الكذّاب قد يصدُقُ (2).

وفي هذا الصدد يُذكرُ من وصايا ابن مسعود- رضي الله عنه- قوله لرجلٍ قال له: أوصني بكلماتٍ جوامع، فكان ممَّا أوصاهُ به أن قال: ومن أتاك بحقٍّ فاقبلْ منه وإن كان بعيداً بغيضاً، ومن أتاك بالباطلِ فاردُدْه وإن كان قريباً حبيباً (3).

إننا حين نفقدُ هذا الميزانَ في قبول الحقِّ قد نرفض حقاً، لأنَّه جاءَ من شخصٍ نبغضه أو لا نهواه، أو لا نرتضي منهجهُ بشكلٍ عام، علماً بأنَّ قبول الحق الذي جاء به لا يعني موافقته في كل شيء، ولا الرضى عنه فيما يخطئُ فيه، وقد يضطرنا هذا الخلل في العدلِ في قبول الحقّ ورفض الباطل، لقبول زلّة خطأٍ من شخصِ نحبه، ونرتضي منهجهِ علماً بأنَّ رفضنا لهذه الزلَّة والخطأ منه، لا يعني بغضهُ ولا الانتقاص من قدره، ولا رفض بقية الحقِّ الذي جاء به.

(1) رواه البخاري برقم 2311.

(2) الفتح 4/616 ح 2311.

(3) الأحكام في أصول الأحكام لابن حزم: 4/586، عن كتاب "فقه الائتلاف" محمود الخزندار ص98.

من فقه الائتلاف · الصفحة ٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من فقه الائتلافص ٦