وكان من نتيجة ذلك أن صار الفقه أقرب إلى الجمود والعجز منه إلى الحياة والفعالية، لأنه افتقد روح الفكر المقصدي، وفي ذلك يقول ابن عاشور: "كان إجمال المقاصد سبباً في جمود كبير للفقهاء، ومعولاً لنقض أحكام نافعة". (1)
فإذا كان الأمر على هذه الحال فنحن أحوج ما نكون الآن إلى إحياء البعد المقصدي في الفقه من جديد، متلمسين في ذلك خطا الفاروق عمر بن الخطاب صاحب الاجتهادات المقصدية والنظر المقصدي العام. فنحن بحاجة إلى هذا الفقه المقصدي الذي وصفه ابن القيم بأنه: "الفقه الحي الذي يدخل على القلوب بغير استئذان". (2) وضرب ابن القيم لنا على ذلك مثال الرجل الذي قال لما وجد راحلته: اللهم أنت عبدي وأنا ربك. فقال: "أخطأ من شدة الفرح، لم يكفر بذلك وإن أتى بصريح الكفر، لكونه لم يرده". (3) وفي كلام ابن القيم هذا تنبيه على أهمية المقصد والغاية، وإشارة إلى عدم الوقوف على حرفية النص.
وعلى ذلك فإنَّ إحياء فقه المقاصد يُعدُّ عملاً ضرورياً لتجديد الفقه وتقوية دوره ومكانته في حياة المسلمين، وفي ذلك يقول الأستاذ علال الفاسي: "وإن في ثلة الفقهاء المجدّدين على قلَّتهم، ضماناً للسير بالفقه الإسلامي إلى شاطئ النجاة، حتى يصبح مرتبطاً بمقاصد الشريعة وأدلتها، ومتمتعاً بالتطبيق في محاكم المسلمين وبلدانهم". (4)
ومن هنا فإن الفكر المقصدي في زمننا الحاضر، يُعدُّ الأساس المتين لبناء عقلية مسلمة قادرة على مواجهة التحديات، واجتياز العقبات، والنهوض بالأمة، فحريّ بنا أن نحفل به، ونوليه العناية التي يستحقها.
الخاتمة
(1) ابن عاشور، محمد الطاهر: أليس الصبح بقريب، (طرابلس: دار العربية للكتاب، 1979م)، ص200.
(2) ابن القيم، إعلام الموقعين عن رب العالمين، (مصر: إدارة الطباعة المنيرية)، ج3، ص55.
(3) المرجع السابق، نفس الجزء والصفحة.
(4) الفاسي، علال: مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، ص161.