ومع ذلك كله، فَلْنَنْظُر فيما ذكر عنِ الحجامة من خلاف، وأدلة، عَلَّنا نخرج بعدها وبعد عرضنا الطبي السابق بِنَتِيجة في مسألتنا.
فالحجامة - كما هي معروفة -: إخراج الدَّم منَ البَدَن للتَّداوي، وفيها خلاف طويل لأهْلِ العلم في كونها مُفطرة أم لا، وهل يفطر الحاجم والمحجوم بها، ومُلَخَّص ذلك كما يلي:
القول الأول:
وهو القول بِفَساد الصوم بالحجامة، وبفطر الحاجم والمحجوم بِفِعْلها، وهو مذهب الحنابلة، ونُقِل عن جماعة منَ الصحابة - رضي الله عنهم - أنهم كانوا يحتجمون ليلاً، ويَتَجَنّبون الحجامة بالنَّهار، نُقل هذا عن ابن عمر، وابن عباس، وأنس، ... وغيرهم، - رضي الله عنهم [20].
والدليل العُمْدة الذي يحتج به مَن قال بِفَساد الصوم بالحجامة، هو قول النبي: - صلى الله عليه وسلم -: ((أفطر الحاجم والمحجوم)) [21].
القول الثاني:
وهو القول بأن الحجامة لا تفسد الصوم، ولا يفطر بها لا الحاجم ولا المحجوم، وهذا مذهب الحنفية [22]، والمالكية [23]، والشافعية [24].
ومما استُدل به لِهَذا القول ما يلي:
1 - عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - "احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم" [25].
2 - عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رخص في الحجامة للصائم [26].
وجه الدلالة منه: وقوله "رخص"، دليل على أنه كان ممنوعًا، ثم رخص فيه، فهذا حجة لِمَن قالوا بأن آخر الأمرين هو الرُّخصة بالحجامة للصائم [27]،وقال ابن حزم: "صَحَّ حديث: ((أفطر الحاجم والمحجوم)) [28] بلا ريب؛ لكن وَجَدْنا من حديث أبي سعيد: ((أرخص النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحجامة للصَّائم))، وإسناده صحيح، فوَجَبَ الأخْذ به؛ لأنَّ الرُّخصة إنما تكون بعد العزيمة، فدَلَّ على نسخ الفطر بالحجامة، سواء كان حاجمًا أم محجومًا" [29].
3 - وكذلك حديث أنس - رضي الله عنه -أنه سُئِل: أكنتم تكرهون الحجامة للصائم؟ قال: "لا، إلاَّ من أجل الضَّعف" [30]؛ أي: لم يكونوا يكرهون الحجامة؛ لأنها ... تفطر، ولكن كانوا يكرهونها خشيةَ أن يضعف الصائم فيفطر، إلى غير ذلك مِن أقوال الصَّحابة والتَّابعين.