تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حسب مشيئته لا يصرفه عن عمله لأمر غيره". و من ثم كان الأصل في حرية التعبير عن الرأي في الغرب عدم التقييد، فهي حرية مرسلة بغض النظر عن الوسيلة المستعملة (1). و من ذلك أنها " هي خلوص الإنسان من ضيق الحجر عليه و تمتعه بجميع الحقوق الإنسانية التي سوغها العقل و قضى بها الشرع" (2). و من ذلك أنها " الحالة التي يستطيع فيها الأفراد أن يختاروا و يقررو ا و يفعلوا بوحي من إرادتهم دونما أية ضغوط من أي نوع عليهم" (3). و م ذلك أنها: "انعتاق الإنسان من عبودية أخيه الإنسان، و انعتاق الشعوب من عبودية الشعوب الأخرى" (4). ومن ذلك أنها: القدرة على الاختيار بين الممكنات بما يحقق إنسانيتي" (5).و منها تعريف الأستاذ فتحي الدريني بأنها " المكنة العامة التي قررها الشرع للأفراد على السواء، تمكينا لهم من التصرف على خيرة من أمرهم دون الإضرار بالغير من الفرد أو المجتمع (6). و من ذلك أنها " المكنة المتوافرة للمكلف التي تسبق الفعل بحيث تجعله قادرا على الفعل أو الترك بدرجة سواء، فهي وصف لإرادة المكلف عندما تكون خالية من القيد أو الإكراه، و الذي يدفعه باتجاه الفعل أو عدم الفعل" (7). و من ذلك تعريف الإمام محمد الطاهر بن عاشور بأنها" عمل الإنسان ما يقدر على عمله حسب مشيئته لا يصرفه عن عمله غيره. (8) " و بذلك فهي، كما قال مرة أخرى: " وصف فطري نشأ عليه البشر و به تصرفوا في أول وجودهم على الأرض حتى حدثت بينهم المزاحمة فحدث التحجير". (9)

كلها تعريفات للحرية تنظم في معنى محوري مفاده: تخليص الإنسان من أخلاقيات العبيد و من صرف الغير و من ثقل الضرائب و من التحجير و الوصاية على اختلاف أشكالها و صورها و ألوانها. و الحق أنها بمثابة القيود التي تحد من إرادة الإنسان، و تعوقه عن التمتع بثمرات كسبه المادية و المعنوية، و من جملة تلكم الثمرات ما تقدمه قريحته من عزائم و ما يولده فكره من آراء. لا يخفى أن الإنسان كائن اجتماعي يتواصل مع بني جنسه بطرق مختلفة من الملاطفة، و الممازحة، و بأصناف من المحاورة و المحاسبة، و صور من المعاهدة و الملازمة التي لا تنأى في معظم الأحوال عن التهارج و التدافع و التمانع. و كلها أشكال تواصلية تقتضي من الإنسان أن يكون له من خلالها رأي لا بد له يعبر عنه. و هنا، و كما قال الفيلسوف المصري زكي نجيب محمود: " أرجوك أن تقف لحظة عند كلمة يعبر هذه، لأنها كلمة استطاعت بها عبقرية اللسان العربي أن تبثها معنى ضخما بعيد الدلالة. فالتعبير إنما هو " عبور" فهناك في دخيلة الكائن الحي سره الإلهي العظيم، لكنه سر لا يراد له أن ينكتم، فمهدت له وسائل "العبور" من الداخل إلى الخارج. و ذلك هو نفسه"التعبير" " (10). و الحق أن الحرية هي

(1) محمد حلمي، المبادئ الدستورية العامة، بيروت، دار الفكر العربي، ص: 375.

(2) سليمان عبد الجواد، الديمقراطية في الإسلام، مصر، طبعة أحمد مخيمر، ص: 25.

(3) الموسوعة العربية العالمية، الرياض، الطبعة الأولى، 1996م، ج 9 ص: 298.

(4) عبد العزيز الخياط، الحرية السياسية في الإسلام بين الخصوصية و العالمية، بحث منشور ضمن بحوث حقوق الإنسان في الإسلام، مؤسسة آل البيت، 1997 م، ص: 109.

(5) محمود عكام، الموسوعة الإسلامية الميسرة، حلب، دار صحارى، الطبعة الأولى، 1997م، ج 4 ص: 869.

(6) فتحي الدريني، خصائص التشريع الإسلامي في السياسة و الحكم، بيروت، لبنان، 1987م، ص: 404.

(7) رحيل محمد غرابية، الحقوق و الحريات السياسية في الشريعة الإسلامية، منشورات المعهد العالمي للفكر الإسلامي، عمان، الأردن، دار المنار للنشر و التوزيع،، سلسلة الرسائل الجامعية رقم 33، 2000م، ص: 36.

(8) محمد الطاهر بن عاشور،، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، تونس، دار الكتاب، 1977 م، ص: 160.

(9) محمد الطاهر بن عاشور،، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، ص: 162.

(10) زكي نجيب محود، عن الحرية أتحدث، مصر، دار الشروق، الطبعة الأولى، 1406ه_ 1986م، ص: 16. إن التعبير عن الرأي، و إبداء الرأي، كما قال الأستاذ صبحي المحمصاني بمثابة "تعبير خارجي عن الفكر الباطني". صبحي المحمصاني، أركان حقوق الإنسان بحث مقارن بين الشريعة الإسلامية و القوانين الحديثة، بيروت، لبنان، دار العلم للملايين، الطبعة الأولى، 1979م، ص: 141

مفهوم حرية التعبير عن الرأي في الإسلام · الصفحة ٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مفهوم حرية التعبير عن الرأي في الإسلامص ٥