وقد دارت الدائرة بين الجبرية والقدرية كعقيدتين متقابلتين ومنحرفتين فى مسألة القدر والحرية من ناحية ، وبين السلف الصالح من ناحية أخرى ، حيث يؤكد السلف أن القرآن الكريم يثبت فى وضوح وجلاء بالنصوص العديدة وجود وجهين لأفعال البشر :
الأول : هو كون الفعل مخلوقا لله ومقدرا بمشيئته وواقعا ككل شئ فى الكون بفاعليته تعالى كقوله : ﴿ ألا له الخلق والأمر ﴾ (2) .
﴿ الله خالق كل شئ وهو على كل شئ وكيل ﴾ (3) .
الوجه الثانى : وهو كون هذا الفعل فى نفس الوقت مختارا للعبد ومكتسبا باسطاعته ومفعولا بفاعليته منسوبا إليه بهذا الاعتبار .
فقال تعالى : ﴿ لمن شاء منكم أن يستقيم ﴾ (4) وقال : ﴿ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ﴾ (5) .
1- مقالات الإسلاميين حـ 1 ص 81 .
2- الأعراف / 54 .
3- الزمر / 62 .
4- التكوير /28 .
5- آل عمران / 97 .
وقال : ﴿ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ﴾ (1) .
ففرقوا بين أمر الله الكونى المتعلق بالربوبية وأمره التشريعى المتعلق بالعبودية ، ومن ثم فالفعل البشرى إذا وقع باختيار الإنسان ونيته مخالفا للشرع أو لأمر الله التشريعى كان معصية وشرا .
ووجه الشر هنا ليس منسوبا لله إلا أن الله هو خالق الفعل سواء كان خيرا أو شرا ، فالله سبحانه وتعالى هو الخالق لكل شئ حتى معاصى العباد وهو الذى أقدرهم على فعلها لأنه تعالى شاء أن يبتليهم فقال : ﴿ إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا ﴾ (2)
وقال سبحانه وتعالى : ﴿ تبارك الذى بيده الملك وهو على كل شئ قدير الذى خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور ﴾ (3) .