فالرسول جعل الإنسان حارسا على نفسه ومصدرا من مصادر الرقابة على ذاته ومميزا للحلال والحرام ، إضافة إلى ما سبق فى المرحلة الأولى من مقاييس التمييز المنقولة والمعقولة .
ثالثها : تورع عن كل ما شغل عن الله وهو ما سئل عنه الشبلى
فقيل له : يا أبا بكر ما الرع ؟
فقال : أن تتورع ألا يتشتت قلبك عن الله طرفة عين (3) .
فإذا ألف العبد بمرور الأيام هذا اللون من التربية المتفوقة فى مراحل الورع أمكن عند ذلك أن يدخل فى صف الزاهدين حيث الدنيا بأسرها لا تساوى شيئا ، فالقلب متعلق بالله ومجموع على طاعته ، وهنا يكون ــــــــــــــــــــــــ
1- اللمع ص70 .
2- أخرجه مسلم فى كتاب البر والصلة ، باب تفسير البر برقم (2553) والترمذى فى كتاب الزهد ، باب ما جاء فى البر والإثم برقم (2389) وابن حبان فى كتاب البر والإحسان ، باب الإخلاص وأعمال السر برقم (397) وأحمد فى المسند حـ 4 ص 182 والبيهقى فى سننه حـ 10 ص 192 وأبو نعيم فى الحلية حـ 2 ص 3 .
3- اللمع ص 71 .
المرء قد ارتقى درجة أخرى فى طريق الحرية عند أوائل الصوفية فيستصحب مقام الورع بما حمل من التوبة إلى مقام الزاهدين .
قال السراج الطوسى : ( والورع يقتضى الزهد ) (1) .
[3] - الزهد :
هو أشهر المقامات الصوفية لأنه يتوسطها (2) فهو بمثابة المرحلة الوسط فى طريق الحرية ، فكل ما سبقه من تيقظ وتوبة وورع يجعل العبد طموحا فى التخلى عن متع الدنيا والتقليل من طيبها رغبة فى تصفية النفس ، وكل ما يتلوه من صبر وتوكل ورضا هى بمثابة الضمانات التى تحفظ هذه النتيجة ، وقد نتج عن توسط الزهد للمقامات أنه احتوى معانيها جميعا ، حتى سلك كثير منهم فى تعريفه سبلا مختلفة ، أشبه بدرجات فى ميدانه أكثر من كونها اختلافا فيه .
فكل تعريف يعبر عن المنزلة التى يقف عندها الصوفى أو التى تشد اهتمامه أكثر من غيرها ، فمرة يعرف بالزهد بالتوكل ومرة بالرضا ومرة بالشكر أو الصبر (3) .