ومن ثم فإن الأسباب المادية الطبيعية والغيبية ما جعلها الله إلا فتنة للناس وابتلاء ، وهذا هو مكر الله عز وجل يخفى به قدرته ويستر فاعليته لكل شئ لينكشف الكافر من المؤمن ، ولذلك يعقب المكى بعد ذلك بقوله : ( لقد صار المال فتنة للفريقين يكشف إيمانهم ويمتحن للتقوى قلوبهم ) (1) وهو لا يقصد المال وحده ولكنه يقصد كل الأسباب وعلى رأسها المال .
ويذكر المحاسبى أن الله يستدرج بالمال من أراد أن يهلكه ويعذبه من خلال الابتلاء به وبغيره فيقول : ( أخبرنا الله أن الدنيا فتنة وبلوى واختبار وأنها ليست بدليل على رضى الله عن عباده ) (2) .
ثم يستدل بقوله تعالى : ﴿ فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربى أكرمن وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربى أهانن كلا بل لا تكرمون اليتيم ﴾ (3) .
فكذبهما الله جميعا ونفى أن يكون فى هذا كرامته أو فى ذاك إهانته فالكريم من أكرمه الله بطاعته على أى حال كان ، فقيرا أو غنيا والمهان من أهانه بمعصيته على أى حال كان فقيرا أوغنيا ، فاغتر ــــــــــــــــــــــــ
1- السابق حـ 2 ص 12 .
2- الرعاية حـ 2 ص 13 .
3- الفجر / 15 ، 16 .
الكافرون بظاهر نعم الله عز وجل وظنوا أن ذلك من كرامتهم على الله فقال فى وصفهم : ﴿ أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم فى الخيرات بل لا يشعرون ﴾ (1) .
فالأسباب فتنة ، تحتجب قدرة الله بستارها ، والمؤمن صامد لا يتاثر بها كما جاء فى حديث صهيب أنه صلى الله عليه وسلم قال :
( عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير ، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ، وإن أصابته ضراء صبر وكان خيرا له وليس ذلك إلا للمؤمن ) (2) .