ودعوة أوائل الصوفية الاستسلام لقضاء الله وأحكامه خاص بالجانب الجبرى فى الفعل المتمثل فى النتيجة النهائية له ، وليس فى الجانب الاختيارى ، وذلك مفهومهم لوجوب الإيمان بالقدر خيره وشره كما نص عليه النبى صلى الله عليه وسلم : ( الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره ) (1) .
وهذا التوضيح هام جدا لفهم الموقف النفسى حيال القضاء والقدر حيث ينقسم هذا الموقف عندهم إلى ثلاث درجات :
( التوكل ثم التسليم ثم التفويض فالمتوكل يسكن إلى وعده ، وصاحب التسليم يكتفى بعلمه ، وصاحب التفويض يرضى بحكمه ) (2) .
وحيث أن التوكل أخذ بالأسباب وسكون القلب إلى وعد الله وليس إلى الأسباب ، فإن مبدأ الفعل أخذ بالأسباب مع الاعتماد على تقدير
1- أخرجه مسلم فى كتاب الإيمان ، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان برقم (8) وأخرجه أبو داود فى كتاب السنة ، باب القدر برقم (4695) والترمذى فى كتاب الإيمان باب ما جاء فى وصف جبريل للنبى الإسلام والإيمان برقم (2610) والنسائى فى كتاب الإيمان حـ 8 ص 97 وابن ماجه فى المقدمة ، باب فى الإيمان برقم (63) وأخرجه أحمد فى المسند حـ 1 ص 52 ، 53 .
2- الرسالة القشيرية حـ 1 ص 422 .
الله وفاعليته وحده ، ووسطه تسليم أمره إلى الله ليقينه أنه الأعلم والأقدر ، وفى النهاية الرضا بحكم الله وقدره ، ومن ثم يكون المقصود من استخدام أصل الإيمان بالقدر خيره وشره فى النهاية وليس فى البداية فيكون ذلك مدعاة للشكر إذا كان خيرا ، معينا على الصبر إذا كان الأمر غير ذلك .
وهذه الدرجات الثلاث هى مراحل التوكل عند أبى تراب النخشى :
وأولها : طرح البدن فى العبودية وهذا تعبير عن تعامل الجوارح والاستطاعة البشرية مع الأسباب وهو يرى فى استسلام الإنسان لسنة الله فى الطبيعة أو المادة تحقيقا لعبودية البدن والجوارح .