تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكما أنهم أثبتوا استطاعة الإنسان وعلوه على ما دونه من المخلوقات المسخرات له ، فإنهم أيضا أثبتوا استطاعة ذاتية تقوم فى النفس البشرية وتتمثل فى استطاعتة على إتمام الفعل المراد له ، وهذه الاستطاعة يخلقها الله لهم مع أفعالهم ، فالجوارح الظاهرية هى أدوات الاستطاعة التى تحول الفعل الداخلى للقلب والممثل فى الإرادة وتوابعها من أمور الاختيار إلى فعل خارجى ظاهر ملموس يحاسب عليه الإنسان ويكتسب به الحسنات والسيئات .

ويحكى الكلاباذى إجماعهم علىذلك فيقول : ( وأجمعوا أنهم لا يتنفسون نفسا ، ولا يطرفون طرفة ولا يتحركون حركة إلا بقوة يحدثها الله تعالى فيهم واستطاعة يخلقها الله لهم مع أفعالهم لا يتقدمها ولا يتأخر عنها ولا يوجد الفعل إلا بها ) (1) .

وفهم الاستطاعة على هذا النحو يبطل وصف الإنسان بأن له قوة مستقلة يفعل بها ما يشاء مما يوحى بإمكانية حدوث فعل خارج عن قضاء الله وقدره ، ولذلك فالاستطاعة ليست محدثة للفعل لأن الخالق هو الله وحده وإن كانت الاستطاعة مكتسبة للإنسان .

وقد ذم المحاسبى إضافة العمل إلى النفس على سبيل الكبر ونسيان ــــــــــــــــــــــــ

1- التعرف لمذهب أهل التصوف ص 63 .

الفضل الذى من الله به على العبد إذ خلقه ووفقه إلى العمل .

قال له سائل فى ذلك : وكيف لا أضيف الشئ إلى نفسى ولم يعمل ذلك العمل غيرى ، ولو لم أعلم أنى أنا الذى عملته ما عددته نعمة ولا رجوت ثوابه من الله عز وجل ؟

فأجابه المحاسبى بأنه ليس من العجب علمك بما عملت ولكن بالإضافة إلى نفسك بالحمد لها ونسيان منة المولى بذلك ، فأما إذا علمت أن ذلك كان بمنة الله عز وجل ، وأن نفسك لو تركتها ومحبتها لركنت إلى خلاف ذلك فتفرد الله بالمنة فى ذلك ، فلست معجبا (1) .

مفهوم القدر والحرية عند أوائل الصوفية · الصفحة ١٦٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مفهوم القدر والحرية عند أوائل الصوفيةص ١٦٠