وخلاصة الأمر أن أغلب المشايخ من الصوفية الأوائل جعلوا موضع الاختيار ما ذكره الله فى كتابه من وعده بالجنة ووعيده بالنار ، وأن مجال الاختيار يتمثل فى الالتزام بالأحكام التشريعية ممثلة فى الأوامر والنواهى التكليفية ، وحتى الذين جعلوا محبة الله فى مقابل التضحية بكل شئ فهم وإن أخطأوا فى ذلك إلا أنهم لم يجوزوا الخورج عن مجال الأحكام الدينية ودعوا إلى الالتزام بالسنة .
*** المبحث الخامس ***
العلاقة بين المشيئه الإلهية المطلقة والإرادة
الإنسانية الحادثة
يثبت الصوفية الأوائل بوضوح وجلاء طلاقة المشيئة الإلهية كما جاء فى قوله تعالى : ﴿ قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ﴾ (1) إذ يعتبرون ذلك من أهم الأسس فى توحيد الربوبية ودعائمه ، ولذا فإننا نجدهم يؤكدون على أنه لا فاعل فى الكون إلا الله ولا خالق للعالمين سواه ، فالله سبحانه وتعالى هو خالق الخلق بما يتجدد فيه من آحاد أو يحدث فيه من فناء ، وله سبحانه وتعالى المشيئة المطلقة التى تحكم الكون دون قيود أو شئ يحد من انطلاقها أو مثيل له فيها .
وهو سبحانه وتعالى الموجود الحق وكل ما سواه مستمد وجوده منه وأوائل الصوفية يرون أنه سبحانه وتعالى دليل على وجود غيره من المخلوقات وليس غيره دليلا عليه أو على وجوده ، وإن كانوا لا ينكرون أن مخلوقات الله آيات تشهد لعظمته وقدرته وعلمه ، ولكن المسلم ليس بحاجة إلى المخلوقات لمعرفة ربه وعظمته ولكنهم عرفوا الله
1- آل عمران / 47 .
بتوفيقه لهم وعبادتهم إياه .
قيل لذى النون المصرى : بماذا عرفت ربك ؟
قال : ربى أجل من أن يعرف بشئ ولكن عرفت ربى بربى وعرفت ما دون ربى بربى (1) .
وهم أفردوا الله بالخلق ، والخلق كان معلومة فى علم الله فى الأزل ثم دون الله علمه فى اللوح المحفوظ ثم أظهره بمشيئته إلى الواقع المشهود من خلال قوله : كن فكان ما أراد ، وتم ما سبق به القضاء .