ويعتني شيخ الإسلام عناية كبيرة في تحديد الفرقة الناجية والأدلة الدالة على ذلك ، ومن خلال تناوله لحديث الافتراق ، يحرص ابن تيمية على تحديد الفرقة الناجية بالمفهوم الصحيح لها ، وذلك بالاستشهاد بالكلام النبوي فيقول : (( إنه صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن الفرقة الناجية قال : من كان مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي ، وفي رواية أخرى قال : هم الجماعة )) (57) ، وهذا التحديد للفرقة الناجية هو الراجح من خلال النظر إلى الأدلة الشرعية ، ويعد ابن شيخ الإسلام أهل السنة هم الفرقة الناجية ، وإن كان ذلك لا يعني أن جميع الفرق الأخرى هالكة ، فيقول : (( وهذه الفرقة الناجية ( أهل السنة ) وهم وسط في النحل ، كما أن ملة الإسلام وسط في الملل )) (58) ، وبعد هذا التقرير يستند إلى الحديث نفسه .
ويمكن الإشارة هنا إلى تفريق شيخ الإسلام بين مصطلحين مشهورين هما مصطلح ( النحلة ) و ( الملة ) ، فالنحلة لغة انتحال شيء ونسبته لشخص معين ، يقال ك انتحل فلان شعر أو قول فلان إذا ادعى أنه قائلاً ، واصطلاحاً تعني انتحال الشيء واعتقاده والدعوة إليه ، وغالباً ما يكون في الاعتقاد(59) ، وكذلك استعمال ابن تيمية لمصطلح ( الملة ) والتي تعني الشريعة أو الدين ، قال ابن منظور : (( هي معظم الدين ، وجملة ما يجيء به الرسل )) (60) ، وهذا التفريق هو المشهور عند العلماء، وقد استعمل شيخ الإسلام ابن تيمية هذا المصطلح للدلالة على تعبير الفرقة ، كما هو متبع عند علماء الملل والنحل .