والرسائل والمقالات حتى يؤمن من يؤمن بدعوتنا عن بينة، هذه هي دعوتنا لا تزيد ولا تنقص، أما السيف والقتال به، فمعاذ الله أن نمت إليه بصلة، اللهم إلا أن يقال: إننا ربما دافعنا عن أنفسنا حيثما اعتدى علينا أحد. ذلك أيضاً قد مضت عليه سنون وأعوام طويلة، أما اليوم فقد أظهرنا براءتنا من ذلك أيضاً، ومن أجل ذلك نسخنا الجهاد "رسمياً"؛ ذلك الجهاد الممقوت الذي يُعمل السيف عمله، حتى لا يقلق بالكم ولا يقض عليكم المضجع، فما"الجهاد"اليوم إلا مواصلة الجهود باللسان والقلم ... أما المدافع والدبابات والرشاشات وغيرها ... فأنتم أحق بها وأهلها" (1).
هذا هو الواقع السياسي المخزي للأمة في العصر الراهن، وما انحطاط الأمة وهوانها إلا نتيجة لتركها تطبيق أحكام الإسلام ومفاهيمه في الواقع. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم" (2)، ولقد بلغ الذل بالأمة مبلغه حتى تداعت الأمم الكافرة على الإسلام والمسلمين، وذلك بسبب تركهم للجهاد في سبيل الله، وتقصيرهم في حمل الإسلام حملاً عقيدياً إلى العالم، وذلك بسبب الركون إلى الدنيا، عن ثوبان قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها". فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: "بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن".
فقال قائل: يا رسول الله! وما الوهن؟ قال: "حب الدنيا وكراهية الموت" (3)
(1) المرجع السابق، ص ص 6 - 7.
(2) أخرجه أبو داود، وأحمد، والطبراني، راجع محمد ناصر الدين الألباني، سلسلة الأحاديث الصحيحة، مرجع سابق، المجلد الأول، القسم الأول، حديث رقم 11، ص 42.
(3) صحيح سنن أبي داود، مرجع سابق، الجزء الثالث، ص 810.