تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن الجاهلية وإن كانت في الأصل صفة ولكن غلب عليها الاستعمال حتى صارت اسماً ومعناها قريب من معنى المصدر، وقد تكون الجاهلية اسماً لذي الحال فتقول: طائفة جاهلية، وشاعر جاهلي، نسبة إلى الجهل وهو عدم العلم أو عدم اتباع العلم.

فإن من لم يعلم الحق جاهل جهلاً بسيطاً، فإن اعتقد خلافه فهو جاهل جهلاً مركباً، فإن قال خلاف الحق عالماً بالحق أو غير عالم فهو جاهل أيضاً كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ (الفرقان:63)، وكذلك من عمل بخلاف الحق فهو جاهل وإن علم أنه مخالف للحق كما قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ (النساء:17) قال الصحابة: «كل من عمل سوءاً فهو جاهل وإن علم أنه مخالف للحق».

وسبب ذلك أن العلم الحقيقي الراسخ في القلب يمتنع أن يصدر معه ما يخالفه من قول أو فعل، فمتى صدر خلافه فلا بد من غفلة القلب عنه أو ضعفه في القلب بمقاومة ما يعارضه، وتلك أحوال تناقض حقيقة العلم فتصير جهلاً بهذا الاعتبار، ومن هنا تعرف أن دخول الأعمال في مسمى الإيمان حقيقة لا مجاز.

فإذا تبين ذلك فالناس قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم في حال جاهلية جهلاً منسوباً إلى الجاهل، فإن ما كانوا عليه من الأقوال والأعمال إنما أحدثه لهم جاهل وإنما يفعله جاهل، وتلك كانت الجاهلية العامة، وأما بعد البعثة فمطلق الجاهلية قد يكون في مصر دون مصر، وقد تكون في شخص دون آخر، ولا تكون الجاهلية مطلقة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يَزَالُ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ»(1).

الحالة الدينية قبيل البعثة:

(1) رواه البخاري (ح3640)، ومسلم (ح1920). انظر: بلوغ الأرب (1/15- 17).

مدخل لفهم السيرة · الصفحة ١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مدخل لفهم السيرةص ١٧