تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الكاتب لا ينتخب الشخصية عشوائياً، كما أنه لا يسطر كلماته من فراغ، قد يلتقط الكاتب من الحياة شخصية جذبت انتباهه بقوتها أو نقائها أو صمودها أمام العواصف والأنواء، أو تمردها على الشر والباطل، أو جهاد في سبيل الحق والخير، أو استمساكها بقيم الحب والفضيلة، أو تضحياتها الملفتة للنظر، فيرى الكاتب أن هذه الشخصية الحقيقة تستطيع أن تؤدي دوراً أخاذاً في عمل أدبي، وأن تبلور فكرة أو سلوكاً أو قضية من القضايا، فيبدأ في تطويعها لعملة الأدبي..

لكن الأمر لا يقف عند هذا الحد، لأن الكاتب لا ينقل الحياة أو الشخصية كما هي بأسلوب فوتوغرافي، إنه يضيف إلى تلك الشخصية لمسات وظلالاً وسمات جديدة، ويحشد لها الأحاديث المناسبة، ويتخيل الحوار المناسب، ويدخل بها ومعها في وقائع وممارسات متخيلة تكشف عن دخيلة الشخصية وتفسر حركتها وفكرها، المهم أن الكاتب قد يحذف وقد يضيف، حتى يستوي أمامه النموذج الذي يريد، وهكذا نرى أن شخصية البطل ليست صورة طبق الأصل من الواقع ولكنها كائن حي جديد تكاملت لديه المواصفات والأسباب التي تجعله قادراً على أداء دوره، وفي هذه النقطة بالذات تتفاوت القدرات الإبداعية من كاتب إلى آخر، ويتميز نتاج كاتب عن آخر، إنها الخصوصية، وهنا يحضرني ما قاله الأديب الكبير نجيب محفوظ في أحد أحاديثه الصحفية: (الشكل فيما أعتقد هو كيف يمكنك أن تبرز أسلوبك الشخصي في العمل الأدبي أو الفني، قد استفيد مثلاً من المؤرخين، لكن لا يصح أن يغيب أسلوبي .. إن التطور الطبيعي للأدب يستفيد من الأدب السابق، سواء أكان امتداداً له أم تطورياً، لكن ما الذي يضيفه الكاتب؛ الكاتب يضيف نفسه إلى الرواية.. فالجديد الفنان نفسه.. والفنان بالطبع هو عصره.. )

مدخل إلى الأدب الإسلامي · الصفحة ٤٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مدخل إلى الأدب الإسلاميص ٤٣