لقد أصبح من الأهمية بمكان أن ندرك أن الصراع بين الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة أبدي، وأن المعارك الفكرية بأساليبها الفنية المتعددة هي الأخطر في حياة الأمم وبنائها الحضاري، وأن الساحة الفكرية هي الميدان الحقيقي للمعركة، وأن الله سبحانه وتعالى جعل سلاح المسلم الدائب هو المجاهد بالقرآن. قال تعالى: (فلا تُطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيرا ً) ونحن المسلمين لسنا بحاجة إلى أدلة وشواهد على ذلك. وقد ولدت أمتنا، وحملت رسالتها إلى الإنسانية، من خلال هذا الكتاب كما أسلفنا، وابتدأت الخطوة الإسلامية الأولى من غار حراء وسلاحها الأوحد إلى العالم (اقرأ باسم ربك الذي خلق ) وتجاوزت مبادئ الإسلام البلاد المفتوحة، لتعم العالم بقوة نفاذها وحسن إبلاغها، فالمعركة في حقيقتها فكرية، والمشكلة في جذورها ثقافية، والصراع عقائدي، وإن اتخذ أشكالاً شتى، لقد أصبح سلاح الكلمة اليوم أقوى تأثيراً وأكثر نفاذاً، وتطور فن الكتابة والإعلام، إلى درجة يوهم معها، أن الحق باطل والباطل حق ـ وإنَّ من البيان لسحراً ـ وأصبحت بلاد الدنيا ضواحي لدولة الأقوياء، وبدأ عصر الدولة الإعلامية العالمية سواء اعترفت بذلك الأنظمة السياسية الإقليمية أو تجاهلته، ولم تعد قضية العزلة والنزوع إلى الفردية قضية اختيارية .
ومن هنا نقول: بأن الجهود الفردية مهما بلغت سوف تبقى جهداً ضائعاً محدود الأثر، والرؤية الفردية مهما شملت، هي رؤية حسيرة، وإمكانات الأفراد مهما بلغت، سوف تبقى دون سوية الإحاطة بالقضايا والمشكلات كلها، والقدرة على مواجهتها، واختيار الوسيلة الملائمة لذلك، هذا إلى جانب العجز عن تصنيف تلك المشكلات وترتيب الأولويات المطلوبة في المعالجة، والقصور عن المشاركة في القضايا العالمية التي باتت مفروضة، ولا بد من رأي فيها وموقف تجاهها.