تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وذلك بأن يكون كلامه يسيراً جامعاً بليغاً، فيه التحفظ من الزلل مع الإقلال دون الإكثار، مع ما قد يكون في الإكثار من خفاء الفائدة، وضياع المقصود، ثم إنه يورث الحاضرين الملل.

فلا يطول الكلام بينهما بما لا فائدة فيه، وأن يفضيا إلى الاختصار الذي لا يقصر عن البيان الموعب.

ومن إصلاح المنطق تجنب اللحن في كلامه، والإفصاح عن بيانه، فإن ذلك عون له في مناظرته، ألا ترى إلى استعانة موسى كليم الله بأخيه هارون عليه السلام حيث قال:"واحلل عقدة من لساني* يفقهوا قولي*واجعل لي وزيراً من أهلي*هارون أخي" (طه 27 - 30)، وقال:"وأخي هارون هو أفصح مني لساناً فأرسله معي ردءاً يصدقني إني أخاف أن يكذبون" (القصص 34).

الأدب الثالث عشر

تجنب المماراة

فالمماري لا يطلب الحق، بل المغالبة ومعارضة الخصم وكسره أبداً وهذا ليس من شيم أهل الحق. ومن صور ذلك: أن كل واحد من الخصمين المماريين لا يريد الرجوع عن مذهبه واعتقاده، بل يريد أن يخطئ صاحبه، ويظهر عليه.

الأدب الرابع عشر

المناظرة المفيدة إنما تكون بين النظراء في العلم

ولهذا قالوا: لا تصح المناظرة ويظهر الحق بين المتناظرين حتى يكونا متقاربين، أو متساويين في مرتبة واحدة من الدين والفهم والعقل والإنصاف، وإلا فهو مراء ومكابرة.

ومن فوائد ذلك تدريب المَلَكَة في النظر والمناظرة.

الأدب الخامس عشر

اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية

المفترض في كل متناظرين أنهما طالبا حق، لكن قد يخفى الحق عليهما أو على أحدهما، والخفاء قد يكون سببه خفاء الدليل أو الدلالة، فيختلفان فتقع بينهما المناظرة، وقد تنكشف المناظرة ولا يتفقان على قول واحد، لكنهما مستصحبان للنية الأولى وهي طلب الحق. فهذا الاختلاف لا يقطع حبل المودة بينهما، ولا يعكر على القلوب صفاءها، فضلاً عن التنابذ والتدابر ونحو ذلك.

ولقد ضرب لنا سلفنا أمثلة شامخة في هذا الباب، من ذلك:

1 - ما قاله يونس الصدفي (264هـ) قال: ما رأيت أعقل من الشافعي؛ ناظرته يوماً في مسألة ثم افترقنا، ولقيني فأخذ بيدي، ثم قال: (يا أبا موسى، ألا يستقيم أن نكون إخواناً، وإن لم نتفق في مسألة)؟!

مذكرة في أدب الجدل · الصفحة ٢٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مذكرة في أدب الجدلص ٢٤