تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الحق لا يعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف رجاله

(هذا الكلام مما ينقل عن علي رضي الله عنه)، والحق ما وافق الدليل من غير التفات إلى كثرة المقبلين، أو قلتهم، فالحق لا يوزن بالرجال، وإنما يوزن الرجال بالحق، ومجرد نفور النافرين، أو محبة الموافقين لا يدلّ على صحة قول أو فساده، بل كل قول يحتج له، خلا قول النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يحتج به.

وكثرة الأتباع ليس دليلاً على صدق الدعوى، كما أن قلة الأتباع ليست دليلاً على ضعفها أو فسادها، ففي الصحيحين عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهيط والنبي ومعه الرجل والرجلان والنبي ليس معه أحد – الحديث.

ولهذا قال بعض السلف: عليك بالحق ولا تستوحش من قلة السالكين، وإياك والباطل ولا تغتر بكثرة الهالكين.

القاعدة السادسة

الحق واحد لا يختلف

الحق عند الله تعالى وفي نفس الأمر واحد لا يختلف ولا يتعارض، لكنه قد يتنوع، فيكون جنساً واحداً له أنواع، كلها ترجع إلى جنس واحد، كما قيل في صيغ التشهدات والأذان والإقامة ونحو ذلك مما قد شرع جميعه.

أما أن يثبت أحد المتناظرين شيئاً وينفيه الآخر، أو يوجبه ويمنعه خصمه، ويكون كلاهما محقاً، فهذا لا يكون أبداً، وهذا لا يمنع من أن يكون كلاهما مأجوراً في نفس الوقت، ففي الصحيح: " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد ".

ولهذا لا يمكن أن يكون دليلان قطعيان متعارضين، سواءً كانا من المنقول أو من المعقول، أو كان أحدهما نقلياً والآخر عقلياً. فالله تعالى أنزل الكتاب وأنزل الميزان-وقياس العقل منه- فهما في الإنزال أخوان، وفي معرفة الأحكام شقيقان، فالنقل الصحيح لا يتعارض في نفسه لقوله تعالى:" ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً" (النساء 82). وكذلك العقل الصريح لا يتعارض في نفسه، وأيضاً لا يتعارض الشرع الصحيح مع العقل الصريح، فلا تجد نصاً شرعياً صحيحاً في ثبوته صريحاً في دلالته معارضاً لدليل عقلي صح، هذا لا يمكن بحال، بل الشرع الصحيح والعقل الصريح متصادقان، متعاضدان، متناصران، يصدق أحدهما الآخر، ويشهد أحدهما بصحة الآخر.

ولكن قد يحار العقل في بعض ما جاءت به الشريعة، وهذا من العقل حيرة لا إحالة، وإنما ذلك لكمال الشريعة وتفوقها، فهي تأتي بمحارات العقول لا بمحالاتها، فتأتي بما لا يعلمه العقل، وبما يعجز العقل عن معرفته، أما أن تأتي بما يُعلم بصريح العقل انتفاؤه وامتناعه، فلا.

مذكرة في أدب الجدل · الصفحة ١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مذكرة في أدب الجدلص ١٤