تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا علم النفس يكشف لنا الميول والعواطف النفسية، ومنها عاطفة الأثرة وعاطفة الإيثار، أليس لنا بعد أن نتبين هذا أن نعطي لكل من هذه الميول قيمته الأخلاقية؟ كذلك علم الاجتماع أتاح لنا أن العالم كان مسرحا في كثير في العصور، القديم منها والحديث، لحروب طويلة طاحنة، فهل هذا التحقق العلمي يكفينا للبت في اختيار أي المبدأين: مبدأ الاحتفاظ بروح العداء بين الأمم والشعوب، ومبدأ اقتلاع جذور العداوة وبذر عواطف العدالة والمحبة العالمية التي تسمح يوما أن نصل إلى سلم عام نهائي وأخوة متبادلة؟

الروح العلمي لا يتطلب منا أن نأخذ العلوم كدليل أخلاقي وحيد، وبعبارة أخرى: لا يتطلب منا أن نأخذ مما تكشفه من حقائق وقوانين مثلا أعلى نأتم به في أعمالنا ونسير على ضوئه وسناه.

إن العلم لا يعارض الأخلاق ولا يغني عنها فقط، بل يقدر ضرورة وجودها ولا يستغني عنها، وبدونها يكون إثمه أكبر من نفعه، يدل على ذلك تحليل نفسيات العلماء والعواطف التي كانت تسودهم في حياتهم العلمية، ففي هذه الجهود المضنية التي قام بها العلماء لفهم الطبيعة وأسرارها وللوقوف على النظم التي تسيرها، وفي تلك المشاق التي عاناها قادة الأمم وهداتها والمحسنون إلى الإنسانية؛ نجد عاطفة أخلاقية كانت تملك على هؤلاء الأبطال ألبابهم وتسوقهم إلى أداء رسالاتهم، تلك العاطفة هي الرغبة في خدمة الإنسانية وتحسين حالتها المادية والعقلية. وأيضا القيمة العالية التي يراها العلماء للعلم تفرض أن الأعمال الإنسانية ذات قيم مختلفة منها العالي ومنها الدون، فالعلم مثلا أفضل من الجهل، والهدى خير من الضلال، والسعي لمعرفة الحقيقة خير من مقاومتها.

إذن واجب البحث عن المعرفة وإعلانها يفرض الواجب بصفة عامة، والمثل الأعلى العلمي يفرض أن هناك مثلا أعلى عاما يجب أن ننشده جميعا.

كذلك حب الحقيقة، وعدم التحيز للهوى، والإخلاص، والصبر، والحمية في العمل؛ كل هذه صفات أخلاقية بدونها لا يتحقق عمل طيب علمي، بل ولا علم أيضا. العالم كالرجل الفاضل يستشعر سرورا عاليا روحيا، وهو الرضاء بالواجب المؤدى بنبل، والحياة تقضى في شرف وأمانة. يقول الفيلسوف الفرنسي المؤرخ إرنست رينان

Renan :

2 «المعرفة بين جميع الأعمال الإنسانية أسماها قدرا؛ لأنها أكثرها بعدا عن الهوى واستقلالا عن المسرات.» ثم يضيف: «وإنه لمن العناء الذاهب سدى أن يدلل المرء على قداستها وسموها؛ لأنه لا ينكر ذلك إلا من لا يعترف لشيء بالسمو والقداسة.»

والمؤرخ الفرنسي العلامة أوجستين تييري

Augustin Thierry

3

الذي عاد أعمى لفرط أبحاثه الدقيقة التفصيلية، يذكر في مقدمة كتابه «عشر سنوات في دراسات تفصيلية» أنه لو خير ثانية في اختيار حياة له لاختار أن يكون أيضا عالما مؤرخا؛ لأن «الدراسة الجادة الهادئة مأمن وأمل وحرفة يبلي المرء فيها حياته بشرف، أعمى ومتألم بدون رجاء وبدون مهلة وراحة تقريبا، يمكنني أن أتقدم بهذه الشهادة التي أعتقد أنها لن تكون موضع شك بحال، وهي أنه يوجد شيء في العالم خير من الثروة وسائر المسرات المادية ومن الصحة أيضا: هو الإخلاص للعلم.»

هكذا الدراسة العلمية ودراسات نفسيات العلماء، تكفي لبيان أن الخير والشر، وهما موضوع الأخلاق، يلاحظان دائما في كل البحوث والدراسات العلمية على اختلافها.

وأخيرا، إذا كان العلم كما قلنا لا يعارض الأخلاق ولا يغني غناءها بل يسير معها جنبا لجنب، هل لنا أن نخطو في البحث خطوة أخرى لنعلم ما إذا كانت الآراء والحقائق الأخلاقية تبلغ من العموم حدا يجعلها حقائق علمية فتكون الأخلاق علما من العلوم؟ الأخلاق علم إذا كان هناك حقائق أخلاقية عامة، ولكن هل يوجد حقائق أخلاقية عامة للجميع؟ (3) اختلاف الأفكار والنظريات الأخلاقية

مباحث في فلسفة الأخلاق · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مباحث في فلسفة الأخلاقص ٧