تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي التلمود:

15 «أحبب غيرك كنفسك، لا تعامل غيرك بما لا تحب أن يعاملك به»، وهذه هي الحكمة التي أخذها أحد حكماء اليهود في القرن الأول قبل الميلاد وهو هليل

Hillel

مبدأ له، فهي عنده كلمة الشريعة وما عداها مجرد تفسير لها. وفيه أيضا: «أربعة لن يدخلوا الجنة: الساخر والكذاب والمرائي والنمام. من لا يضطهد مضطهديه، ومن يتحمل الإهانة صامتا، ومن يفعل الخير حبا في الخير، ومن يستسلم لآلامه فرحا، أولئك هم أصدقاء الله.

16

وجاء في كلمة لمكسيم غوركي، أحد كتاب الروس المعروفين، هذه الحكمة السامية لهليل الحكيم السابق ذكره: «إن لم تكن لنفسك فلمن تكون؟ ولكن إن كنت لنفسك فقط فلم تكون؟» ويقول غوركي عن نفسه إنه تأثر بما في تلك الكلمة الخالدة من معنى دقيق وحكمة عميقة، فجعل مبدأه أن يعنى بنفسه، فلا يكون كلا على غيره، وألا يحيا لنفسه فقط، وإلا أضحت حياته هباء منثورا، وأخيرا يختم كلمته بقوله: «إن حكمة هليل هي النبراس الذي هداني السبيل وما كان سهلا سويا.»

نترك اليهود وتقاليدهم وأخلاقهم إلى المسيح - عليه السلام - فنجده جاء معارضا لما وجده من تقاليد عتيقة ضيقة بمثل أخلاقي صالح للجميع؛ كان مما بشر به «حب المرء لله هو أن يحب قريبه كنفسه»، وليس القريب هنا هو الإسرائيلي للإسرائيلي مثلا بل الإنسان للإنسان: «عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به، إن وصيتي أن يحب بعضكم البعض كما أحببتكم، لا يوجد حب أعظم من أن يعطي المرء من حياته لأصدقائه.»

أما محمد، صفوة الخلق كافة وخاتم الأنبياء والمرسلين، فقد جاء في الأخلاق بما يعتبر بحق المثل الأعلى الكامل:

وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ... إلى آخر هذه الأوامر الحكيمة الذهبية العالية التي احتوتها تلك الآيات الكريمات،

وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله ،

إن أكرمكم عند الله أتقاكم ،

يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ،

إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ، ويضاف لهذا ومثله قوله

صلى الله عليه وسلم : «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.»

وهكذا نرى أن كثيرا من ذوي الضمائر الإنسانية عارضوا التقاليد والأفهام الضيقة التي كانت مقبولة في أزمانهم وبيئاتهم بمثل عليا، وبعبارة أخرى: بمثل أعلى أخلاقي حكموا حقا بصلاحيته للجميع دائما. وصلوا لذلك لأنهم أتيح لهم أن يتخطوا الجماعات التي كانوا يعيشون بينها، ونجحوا في الدخول في حظيرة الإنسانية الخالدة والحياة العامة التي لا يحدها مكان أو زمان.

هذه الأفكار الأخلاقية العالية التي جاءنا بها أصحاب الضمائر العالية النيرة بعد تفكير عميق تجاوزوا به أزمانهم وبيئاتهم وأممهم إلى الإنسانية العامة في أوسع حدودها، هذه الأفكار السامية التي يجب أن تكون مقبولة منا جميعا، أليس لنا أن نقدر بأنها حقائق أخلاقية عامة، فتكون الأخلاق لذلك علما من العلوم؟

إنه مما لا ريب فيه أن هذه الأفكار ليست شعارا أو مبادئ مقدسة للناس جميعا يصدرون عنها في أعمالهم دائما، هذه حقيقة لا ريب فيها، ولكن الحقائق العلمية لا تزيد عنها في هذا المعنى. حينما يعرف العلماء الحقيقة العلمية بأنها الاتجاه العقلي العام نحو مركز واحد أو نتيجة واحدة، وبعبارة أخرى بأنها الشيء الذي تتجه إليه العقول كلها وتقبله، لا يقصدون من ذلك أن هذا الاتجاه العام محقق، بل يقصدون أنه أمنية يرجون أن تكون يوما ما.

وفي الواقع لا يقبل سود أفريقيا أو أستراليا أو زنوج أمريكا مثلا التفسيرات العلمية الصحيحة لكل الظاهرات الكونية كالرعد والبرق والمطر والكسوف والخسوف، بل لا يزال منا معشر المصريين من يعلل هذه الظواهر ونحوها بما لا يتفق مع العقل،

مباحث في فلسفة الأخلاق · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مباحث في فلسفة الأخلاقص ١٢