تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد تمكن عبد القادر باشا من قمع تلك الفتنة، وإخماد نار الثورة في الجزيرة كلها تقريبا. ولا ريب أنه كان في إمكانه إعادة الأمن إلى ربوع السودان، إذا كان قد أمد بالخمسة عشر ألف جندي التي فوض أمر قيادتها إلى هكس باشا.

فقد كانت الخطة التي وضعها خطة حكيمة؛ وهي تنحصر في أن يستمر مرابطا هو وجيوشه ومدفعيته وأسطول البواخر على طول مجرى النيل الأبيض. وفي هذا الوقت لم يكن بيد المهدي سوى كردفان، وهي عبارة عن بيداء قاحلة، لا تستطيع بحال من الأحوال أن تمير الجموع الملتفة حوله؛ فكان بذلك مضطرا للتخلص من هذا الموقف إلى سلوك أحد هذين الطريقين: فإما أن يخاطر بنفسه - وهذا أمر بعيد الاحتمال - ويهاجم جيوش عبد القادر باشا وهي متحصنة على النهر بمدافعها وبواخرها، فتضربه الضربة القاضية.

وإما أن يبقى كما هو محصورا في كردفان - وهذا أكثر احتمالا - فيكون القضاء عليه محققا بمرور الزمن؛ أعني أن الجوع لا يلبث أن يهاجم جموع أولئك الغوغاء، فيفت في عضدهم ويبدد شملهم، فتخبو نار الثورة من تلقاء نفسها. هذا فضلا عن أن أنصار المهدي يكونون قد أدركوا أن حكومة هذا الرجل أقل رفقا بهم من حكومة مصر، فينصرفون عنه ويهجرونه حالما تخمد جذوة الحماس الذي تأجج بين ضلوعهم في بادئ الأمر.

هذه كانت هي خطة القائد المصري البارع عبد القادر باشا حلمي، وهي بلا شك خطة حكيمة سديدة. وإننا نرى من الإنصاف لذكرى الكولونيل استوارت أن نقول إنه كان يرى رأي عبد القادر باشا عينه، ولكن مما يؤسف له أشد الأسف أن هذا الرأي لم يعمل به، ولو نفذ لما كان السودان سقط في أيدي الثوار أبدا.

قال سلاطين باشا

Slatin Pasha

في كتابه «السيف والنار»، ص232، بهذا الصدد:

لو صادفت نصائح عبد القادر باشا آذانا مصغية لجرت الأمور في السودان في غير المجرى الذي جرت فيه، ولكانت النتائج غير هذه النتائج السيئة.

فقد كان يرى عدم تسيير حملة كبيرة لإعادة فتح كردفان، وأن تترك والثوار الذين فيها، وأن يبقى الجيش المصري والمدد الذي يتلقاه مرابطا في حصون قوية على طول مجرى النيل الأبيض، وكانت القوات العسكرية التي تحت إمرته كافية لقمع ثورة الجزيرة الواقعة بين النيلين الأزرق والأبيض، والإيقاع بجيوش المهدي الآتية من الغرب والحيلولة دون تقدمها.

ولو اختيرت هذه الخطة لكان من المحتمل كثيرا أن يدب الفساد في صفوفهم، وتسودهم الفوضى بسبب اختلال الإدارة عندهم وعدم وجود نظام ما يستندون إليه؛ وبذلك تستطيع الحكومة أن تسترجع الأراضي التي ضاعت منها ولو بالتدريج على ممر الأيام. ولا ريب في أني لم أكن بمستطيع في ذلك الحين أن أحتفظ بسيطرة الحكومة في دارفور. على أننا لو قدرنا في هذه الحالة ضياع هذه المديرية نهائيا، فإننا نكون قد اخترنا أخف الضررين بلا مراء. ولكن لم يكن ذلك رأي القابضين على أزمة الحكم في القاهرة.

فقد ظهر أمر عال جاء فيه أنه لا بد من توطيد سطوة الحكومة بجيش يرسل تحت إمرة الجنرال الإنجليزي هكس، بمساعدة ضباط أوروبيين آخرين. أما عبد القادر باشا فقد استدعي وعين علاء الدين باشا - الذي كان فيما سبق حكمدارا عاما لشرقي السودان - بدلا منه.

فلم تكد تبلغ مسامع المهدي هذه الأخبار حتى وعاها وعمل لها حسابها وأعد لها عدتها. ا.ه.

وقد استمر عبد القادر باشا حلمي على خطته الآنفة الذكر، وفي أثناء ذلك حدث الاحتلال البريطاني، وأرغمت مصر بعده مباشرة على استدعاء قائدها المنتصر وأحد أبنائها الظافرين، الذي كان في مقدوره أن ينتشل بلاده من أزمة من أكبر الأزمات التي انتابتها في تاريخها كله، دون الحاجة إلى الاستعانة بأي عنصر أجنبي. وفعلا استدعي عبد القادر باشا حلمي من السودان، واستبدل به ضابط مصري آخر هو سليمان نيازي باشا، وعين معه هكس باشا رئيسا لأركان حربه. وكان الغرض من ذلك كما تكشف عنه الوثائق المنشورة بعد هو أن يكون القائد المصري قائدا بالاسم فقط، ويكون الرئيس البريطاني لهيئة أركان الحرب هو القائد الفعلي . فقد رئي أن رجلا قوي الشكيمة كعبد القادر باشا لا يمكن أن يقبل بتاتا مركزا هذه صفته، لا سيما بعد ما أيده الله به من النصر والتوفيق. وهذا فيما نظن كان علة استدعائه.

المسألة السودانية · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المسألة السودانيةص ٦