تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان مرادي أن يعلم أنه - أي هكس باشا - مطلق اليد حر التصرف، لا مسيطر عليه في الطريق التي يختار أن يسلكها، وأنه تقع على عاتقه وحده تبعة أعماله من أولها إلى آخرها. ولو أنه أشار على الحكومة المصرية بعد تنصيبه قائدا عاما بضرورة العدول عن حملة الأبيض، فيقيني أنها كانت تنصت لرأيه وتعمل به.

ومن الثابت أيضا أن هكس باشا كان معترفا بأن القوة التي كانت تحت إمرته فيها حد الكفاية، كما يتضح ذلك من البرقية التي أرسلها إلى الجنرال بيكر من الخرطوم في 18 يونيو سنة 1883 (راجع الكتاب الأزرق الإنجليزي عن مصر عام 1883، ج22، الملحق رقم 1، للبرقية رقم 50) فقد اعترف فيها بأنه مستعد بالقيام بالحملة بالقوة التي لديه، وبأنه لا يرى احتمالا لوقوع أية نكبة. ولو كان من جهة أخرى معارضا في إرسال تلك الحملة، لكان بلا ريب قدم استقالته لا سيما أنه فعل ذلك عندما أراد الحصول على القيادة العليا.

نعم إن هكس باشا وضباطه البريطانيين كانت لهم دراية بمهنتهم العسكرية، لكنهم كانوا يجهلون أحوال البلاد وطبيعة أرضها جهلا تاما. وقد ساق الجنرال هكس باشا جيشه في فيافي كردفان، مخالفا بذلك الآراء السديدة التي أبداها الرجال العارفون بأحوال تلك الجهات، مثل عبد القادر باشا والكولونيل استوارت، فأهلك جيشه وهلك هو معه.

وقد وصف سير ريجنالد ونجت - وهو الجنرال الأكثر دراية بشئون السودان - حملة كردفان بأنها «ضرب من الجنون».

سبحان الله! ومن المسئول عن عواقب هذا الضرب من الجنون، أمصر التي أكرهت على اتباع مشورة أمليت عليها، أم الإنجليز الذين أملوا عليها هذه المشورة؟

فيتضح جليا مما تقدم أن قنصل بريطانيا العام كان يضغط على الحكومة المصرية، وهذا يفيد مصادقة الحكومة البريطانية على هذه الحملة المشئومة، وإلا كانت أشارت بقبول استقالة هكس باشا. ومن هذا المسلك يبدو تورط الحكومة البريطانية في سياسة متناقضة، فقد كانت من البداية إلى النهاية تتنصل من تبعة الأعمال الحربية في السودان، مع أنها كانت في الوقت ذاته موافقة بطريق غير مباشر على حملة كردفان.

الدور الثالث

| تصريح إرل جرانفيل

من الواضح البين أن تصريح إرل جرانفيل الذائع الشهرة قد جاء بعد نكبة هكس باشا. وهاك نصه الذي عربناه من الكتاب الأزرق الإنجليزي عن مصر عام 1884، ج1، ص176:

رقم 210: من إرل جرانفيل إلى سير إ. بارنج

وزارة الخارجية في 4 يناير سنة 1884

سيدي

لقد ذكرتم في برقيتكم المؤرخة في 22 من الشهر الماضي أنه في حالة تشبث حكومة صاحبة الجلالة الملكة بطلب إخلاء السودان، لا تقبل حكومة الخديو - حسب رأيكم - تنفيذ هذه السياسة.

وأكاد لا أرى حاجة إلى الإفضاء إليكم بأنه من الضروري في المسائل الخطيرة التي تستهدف إدارة مصر وسلامتها للخطر، أن تتأكد حكومة صاحبة الجلالة الملكة طول مدة احتلال الجنود الإنجليزية للبلاد احتلالا وقتيا، مع وجوب اتباع نصائحها التي ترى من واجبها بعد مراعاة آراء الحكومة المصرية مراعاة تامة أن تتقدم بإسدائها إلى الخديو.

ويتعين أن يكون الوزراء المصريون والمديرون على بينة من أن التبعة الملقاة الآن على عاتق إنجلترا تضطر حكومة صاحبة الجلالة الملكة أن تصر على اتباع السياسة التي تراها. ومن الضروري أن يتخلى عن منصبه كل من لا يسير وفقا لهذه السياسة من أولئك الوزراء والمديرين.

وإن حكومة جلالة الملكة لواثقة من أنه إذا اقتضت الضرورة استبدال أحد الوزراء، فهناك من المصريين سواء الذين شغلوا منهم منصب الوزير، والذين شغلوا مناصب أقل درجة من هم على استعداد لتنفيذ الأوامر التي قد يصدرها إليهم الخديو بناء على نصائح حكومة جلالة الملكة.

ويمكنكم في كل ما تريدون توجيهه من التبليغات لتنفيذ ما سبق من الآراء أن تعتمدوا على مؤازرة حكومة جلالة الملكة لكم المؤازرة كلها.

المسألة السودانية · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المسألة السودانيةص ١٢