وحقا يا أخي ما هي إلا أيام معدودة حتى يستقيم البيت، ويتنفس العمار في أرض كانت بالأمس خرابا، وكل ذلك يرجع أكثر الفضل فيه إلى تلك الآلات التي جهزها العلم، والتي اصطلحت بيني وبينك على أن نطلق عليها اسم «يمين رولان». •••
إلا أنني لا أخفي عنك أيها الصديق القارئ أنه على إعجابي بتلك العدد والأدوات، ومع إكباري لكثير من مظاهر المدينة الحديثة في تخطيط المدن وتصوير المنازل، فإن حسرة تستولي على نفسي عندما تضرب «يمين رولان» على وجه أرضنا من غير رحمة ولا إشفاق، فتزول من آثارها رسوم مدننا، وتضمحل أشكال هندستنا، وتتحول أنظمة بيوتنا، وتتغير أساليب عيشنا وعاداتنا الخلقية، وكثيرا ما تتناسب العادات والأحوال النفسية مع ظروف المكان والمحيط.
وا حسرتاه على منازلنا التي نبتت فيها طبائع الكرم، وشيم الوداعة، تستحيل إلى بيوت غريبة تملأها آلاف من الناس؛ كأنها ثكنات الجنود، أو مكامن النمل العديد.
وا حسرتاه على تلك «المناظر» التي كان يغشاها أجدادنا وآباؤنا، فيصرفون فيها سمرهم، وينشرون في جوها أنسهم، ويفيض في جوانبها جودهم المطبوع، وحسبهم المرفوع .
وا حسرتاه على تلك الدور ذات «الحيشان» والغرف الوسيعة، التي لا تضيق فيها الصدور، وينطلق فيها المحيى بالبشر والإيناس.
وا حسرتاه على كثير من المعالم الشرقية، يطغى عليها سيل الغرب الجارف فيغرقها، وكم فيها من جمال! •••
إن في مظاهر عيشنا ومدنيتنا الطيب الصالح، فلنستمد له من مدينة الغرب دون أن نضيعه، ولنعمل على ألا تستبد بنا المدنية الغربية في كل أمر، ولنعمل على أن تترفق بنا «يمين رولان» العاتية.
| القهوة والبيت
القاهرة في 10 من نوفمبر سنة 1922
نبهني صديق إلى قهوة في إحدى الطرق التي يكثر فيها غدوي ورواحي. لم تبلغ تلك القهوة من العمر إلا أياما. عليها نضرة الشباب، وعليها بهجة الجديد، وهي مغمورة في لجج من الأنوار، ويغشاها الناس فيعمرونها كما يعمر الجامعات طلاب العلم المخلصون.
تواجه القهوة حارة هادئة تجد في أقصاها مساكن لم يرفع الغنى أهليها إلى طبقات الدور الشامخة، ولم ينزل بهم الفقر إلى تلك الموائل التي تجثو إلى الأرض، فتكاد تغور فيها غورا.
وقفت ذات ليلة في الطريق البرزخ الموصلة بين القهوة والحارة، بحيث أشعر بالسكون الشامل لتلك المنازل، وأشهد عن بعد من القهوة لآلئ الأضواء، وما يجري فيها من مظاهر الحركة والمرج.
وكأن الحركة والأضواء التي كانت تفلت إلي من تلك القهوة العمرة كلمات فيها معنى اللوم، والازدراء، والعتب، والتشفي، والمفاخرة. كأن القهوة في هرجها وأفراحها تناجي البيوت في سكونها وأساها، وكأن البيوت كانت تتوجع من ذلك الحديث وتئن.
أيه أيتها البيوت ...
إنك خلوت من الحياة المؤنسة، التي تنشرها في رحابك الزوجة الصالحة والابن النجيب. وإنك خلوت من العطف والتراحم الذي يتولد من تضام الأسرة ومودة العائلة. وإنك خلوت من روح السرور الذي ينتشر من أنس الأخلاء والأصدقاء.
إنك لا تستكملين أسباب الراحة والرفاهية. أين منك ضوء درى؟ أين منك منافذ تستعطف عليك الهواء العليل؟ أين منك صور وفنون تتخذين منها زينة وحلية؟ أين منك زرابي مبثوثة وطنافس مفروشة؟ ...
إن جوي مشبع بالسرور، وجوك مشبع بأثقال الحزن والنكد، إني مضيئة باسمة، وأنت مظلمة قاتمة . فانقضي على عروشك. أيه أيتها البيوت! ... •••
كأني كنت أشعر عندئذ أن منافذ بيوتنا المسكينة الحزينة عيون مقرحة من البكاء، ناظرة إلى تلك القهوات، شاكية إلى الله من مر الألم؛ وكأن البيوت تقول: تبا لك أيتها القهوات! ... إنك تجذبين إلى أحضانك الخبيثة أربابنا وفتياتنا، فيصرفون فيك قطعا من الليل وجزءا من النهار، يتبادلون فيك سمرهم، وينفقون فيك أموالهم.
إنك تأخذين إليك الزوج من زوجه، والأب من بين بنيه، وتجعلين عرصاتنا خالية، وأجوافنا خاوية.