تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما صاحبها فكان رداؤه أسود أنيقا وقبعته من النوع الرخي السخي. حليق اللحية، أزالت الموسى طرفي شاربيه، وشذب المقص ما بقي منهما، ولم يذر إلا ما هو دون فتحات الأنف. منديله الأبيض يطل مشرئبا على صدره بطرفين يشرفان إلى العلو، وفي فتحة من فتحات معطفه زهرات باسمة، وفي يسراه عصا كأنها تعتمد على عنايته في صيانتها أكثر مما يعتمد عليها في صيانته. •••

السيد والسيدة كانا ينتظران القطار على إفريز إحدى محطات الضواحي ويسيران، ثم متبخترين مقبلين مدبرين.

وقبل وصول القطار بدقائق قليلة أقبل من خلف الإفريز فاعل من الفعلة، كأنه نبت من الأرض طفرة واحدة. وكان حافي القدمين، مفتول العضل، يرخي لحية سوداء قصيرة مغيرة، عليه سروال يظهر ساقه داكنة، وفوق قامته قميص استحال بياضه إلى لون التراب، وعلى رأسه شبه عمامة، وقد أرسل على كتفه جلبابا أسود يظهر فيه مزيج من الجير والرمل والحمرة. هو من هؤلاء العمال الذين يعلمون في تشييد المنازل، أو حفر الجنادل. وكأنه حين رأيته كان قد فرغ من عمله لساعته؛ لأن آثار الجهد تبدو عليه. ويظهر أن الرجل المكدود كان مستغرقا في فكره، أو أوصابه، فلا يلفته ما أمامه ولا ما حوله.

خطا الفاعل خطوتين، أو ثلاثا أمام السيد الأنيق والسيدة المتأنقة، ثم قبل أن يرتدي رداءه المسدل على كتفه أخذ ينفضه مما علق به من العفر. وما كاد يلوح به مرة، أو اثنتين في الهواء حتى لحقه السيد الأنيق صائحا، متوعدا، مهددا، رافعا عصاه اللينة ليهوى بها على المنكبين الصلبين الشديدين، ولكن الفاعل - وقد أخذه نوع من الذعر - لم يفه إلا بعبارة واحدة:

هذا تراب طاهر. أنه لتراب طاهر!

حقا لم يكن صاحبنا الفاعل ليعلم أن وراءه المتأنقة المعفرة بالمسحوق الأبيض؛ ليتقي الشر ممن أزعجه اليسير من عفر العمل. وحقا لم يكن صاحبنا السيد ليتذكر وقتئذ أن أمثال القصر الأنيق الذي يسكن إلى صاحبته فيه، قد ترك تشييده في ثوب العامل ما من أجله أهين وانتهر.

ألا فأرخ بربك ساعديك أيها الملوح بعصاه، المشمئز من تراب العامل. وأطرق إجلالا، فإن الغبرة التي تجلل ثوب هذا المنتج الكادح، وتغمر وجهه أطهر وأكرم عند الله من تلك المساحيق التي ذرتها صاحبتك على وجهها؛ لتجعل منها عليه وجها آخر.

| التصنع والتواضع

القاهرة في 27 من مارس سنة 1927

صاحبي مفرط الشغف في أن يعد من أهل الحسب، وله ولع بأن يسند إلى أهل النسب دون أن يكون من النبلاء في أرومته، ودون أن يتفضل الله عليه ببعض تلك الملامح التي قد يتميز بها أهل الأنساب، ليس بذي القوام السمهري الرشيق، وليس بذي الأنف الأقنى، أو الأشم. وليس بذي الراحتين الرخصتين الصغيرتين، وليس في طبيعة صوته غنة، وليس فيها صحل. ليس بذي الملامح التي تنم عن وراثة في النعمة وسالف الطمأنينة، لكن صاحبي مع ذلك يتألق في لبسته، ويتعالى في مشيته، كأنه يتطلع إلى أن ينطبق عليه قول ابن الأعرابي:

شبهت «مشيته» بمشية ظافر

يختال بين أسنة وسيوف

هو يشمخ بأنفه، وأنفه أدنى إلى أن يكون غليظا أفطس، وهو يجمل يده بتقليم الأظافر وطلائها، مع أن أظافره تنبت في أصابع دق أسفلها، وغلظ عاليها. تتفرع من يده الرحوية الشكل. وصاحبي إذا أراد أن يتكلم يبحث عن غنة الصوت، فينزل صوته إلى الخنف، ويبحث عن الصحل، فينقلب صوته إلى النعير. أما إذا ذهب إلى قهوة فهو لا يذهب إلا إلى حيث يرابط أبناء الذوات، ويتعفف عن أن يجلس في القهوات التي يؤمها أهل الحرف، وأهل التجارة وسادتنا من أرباب المعاش وصغار الموظفين. وإذا ذهب إلى عزاء فإنه لا يهدأ باله إلا إذا استطاع أن يتخطى الصفوف ويضع نفسه حيث يتقدم مع المتقدمين. كل ذلك وصاحبي ينسى أن الناس لا يجهلون منزلته، فلا يغنيه أن يتقدم في الصفوف ولا يغنيه أن يحط في أكبر القهوات، وليس يضيع معالم حقيقته تشامخ الأنف والتهادي في المشية وتصنيع الصوت والتجبر في معاملته مع صغار المرتزقة، وتنكر ذويه ممن لا ترتفع بهم سمعته، ولا تروج بذكرهم بضاعته. •••

خطرات نفس · الصفحة ٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خطرات نفسص ٤٧