تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فما أنت إذن أيها القادم، الذي يدرج إلى الوجود في منتصف ليلة السبت من آخر العام المنصرم؟

بل ما أنت أيها الجديد الذي تتسع للقائه أذرع المتفائلين بالترحيب، وتوسد له صدور الشباب الوثاب للحب والأمل؟

بل ما أنت أيها الكائن الذي يستقبله الناسكون في مناسكهم بألوان الصلوات، وأنواع العبادات؟

بل ما أنت يا هذا الذي تحتشد له أقوام من الفرنجة في بيعهم، فيهللون له تهليلا، ويرتلون له بكرة وأصيلا.

بل ما أنت يا هذا الذي تحتشد لطلعته.

هواة متاع العيش في زمن الصبا

ومختلسو اللذات قبل فواتها

فيشرب شاربهم، ويطرب من يطرب.

بل ما أنت أيها المتمثل في جنح الليل، بمسوحك السوداء لثكلي مسهدة، تذكر عزيزا غاب محياه في الثرى.

ما أنت، ما أنت؟

ما أنت إلا أحدى دورات الفلك الدوار، وكم للفلك من دورة، وما أكثر ما يدور الفلك!

دورة يجعلها الناس مقياسا لبرهة من زمن بعيد المدى. دورة لا قيمة لها في ذاتها، وما أصغرها إذا قورنت بالدهر، والدهر ممدود غير محدود. إنك لصغير صغير! ضئيل ضئيل! •••

على أنك يا عام قد يأخذك الغرور، إذ تذكر لنفسك أنك بعض الزمن الذي يعمل في تتابع الحادثات، وتوالي النازلات.

ويشقق الأرض صدوعا، ويهبط الجبال خشوعا. ويزلزل الأرض زلزالها، ويخرج من الأرض أثقالها. ويدك العروش العالية، ويجدد الآمال البالية.

قد يأخذك الغرور وتتولاك العظمة! ولكن لا عظمة لك حقا مهما تعاليت إلا بسرين، يخلعهما عليك ابن آدم من أسرار نفسه: الاستكانة للعظمة المطلقة، وقوة الرجاء في المال.

فأما الأول فإنك تخر خاشعا عندما يهتف لك من أعماق الأبدية صوت يصيح: ما المبدأ وما المصير؟

فنقول لله الأمر جميعا.

وأما الثاني فالرجاء الذي تفيضه الإنسانية من ضميرها لتلقيه في طياتك وتوجهك في سبيل الخير، في سبيل الكمال.

| الإيثار

القاهرة في 6 من فبراير سنة 1927

في مثل هذا اليوم، من الأسبوع الفائت، أشرت على صفحة هذه الجريدة، إلى أن المنقب في أطلال القديم يجد بين الترب تبرا، وفى مبعثر الحصا ذهبا. وكنت أحقق لنفسي ما أشرت إليه، فأخرجت من خزانة كتبي بعض الأسفار ذات الورق الأصفر. ذات الطبع الكريه، ذات الهوامش والحواشي، وكلها، أو أكثرها مما وضع المتقدمون عليهم الرحمة ولهم الفضل. وكلما فسحت لي مشاغل الحاضر، تناولت هذه الأسفار لأسمع منها بعض نغمات الغابر، واليوم أحببت أن أشرك معي القراء في بعض ما سمعت. •••

قرأت للغزالي ما يأتي: «قال حذيفة العدوي: انطلقت يوم اليرموك، أطلب ابن عم لي، ومعي شيء من ماء، وأنا أقول: إن كان به رمق سقيته، ومسحت به وجهه، فإذا أنا به، فقلت أسقيك؟ فأشار إلي أن نعم، فإذا رجل يقول آه، فأشار ابن عمي أن انطلق بالماء إليه. قال: فجئته، فإذا هو هشام بن العاص، فقلت: أسقيك؟ فسمع به آخر، فقال آه. فأشار هشام أن انطلق به إليه. فجئته، فإذا هو قد مات، فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات، فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات. رحمة الله عليهم أجمعين».

ثم قرأت ما يلي: «قيل: خرج عبد الله بن جعفر إلى ضيعة له، فنزل على نخيل قوم فيه غلام أسود يعمل به، فإذا أتى الغلام بقوته دخل الحائط كلب، ودنا من الغلام، فرمى إليه الغلام بقرص فأكله، ثم رمى إليه الثاني والثالث فأكلهما، وعبد الله ينظر إليه. فقال: يا غلام كم قوتك كل يوم؟ قال: ما رأيت. قال: فلم آثرت به هذا الكلب؟ قال: ما هي بأرض كلاب، أنه جاء من مسافة بعيدة جائعا، فكرهت أن أشبع وهو جائع». •••

وإن الفكر لتسوق الفكر، كما أن الذكريات تبعث الذكريات، فرحم الله ذلك الزمن الذي يروي لنا أن من أهله من كان يؤثر حياة غيره على حياة نفسه، فبمثل هؤلاء سادت الشعوب. ورحم الله ذلك الزمن الذي كان يعتقد الناس فيه بالفضائل، ويؤمنون بأن الله يبوئ جنته من ينكرون الأثرة، ويعملون للإيثار؛ بل رحم الله ذلك الزمن الذي فيه كان يرى بعض أهله، أن الجدير بأمر من الأمور أولى به أن ينزل عليه هذا الأمر، وأن الأحق بشيء أولى به أن يصيب ذلك الشيء؛ لأنه حقه. رحم الله ذلك الزمن الذي قدر فيه الإيثار قدره.

خطرات نفس · الصفحة ٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خطرات نفسص ٤٤